المرأة تصنع الخبر

نجاة فخري مرسي
أطلقت منظمة اليونيسكو في باريس بمناسبة يوم المرأة العالمي في 8 آذار عام 2000 شعار "المرأة تصنع الخبر". وفي بيروت مدينة المؤتمرات أقيم مؤتمر لليونيسكو تحت نفس الشعار.
وتضامناً مع المرأة الجنوبية. حضرت هذا المؤتمر مئات بل وآلاف الإعلاميات اللبنانيات والرئدات في المجالات السياسية والإعلامية، والعلمية والعملية.
كما شاركت من بعض البلاد العربية أديبات ورائدات في المجالات الأدبية والثقافية، تحدّثن عن دور المرأة اللبنانية المُشرّف في الصمود، والحفاظ على الأسرة من التفكك تحت ظروف القصف الإسرائيلي اليومي على لبنان الجنوبي على مدى عشرات السنين، وعلى المناضلات الجنوبيات في سجون إسرائيل، وعن الفدائيات ومن استشهدن مما أعاد الجنوب الى خريطة الوطن، بعد أن كان منسياً لأجيال وأجيال، ولقّبت أمهات لبنان الجنوبي بأمهات "الشهداء".
تحدثت المشاركات عن كل هذا بإسهاب، وختمت السيدة فاطمة يوسف العربي/الباحثة والروائية الكويتية كلمتها بالقول: "كلنا مناضلات، المرأة العربية مناضلة، والنضال أشكال": "المرأة الجنوبية في لبنان تناضل بالسلاح والدم والشهادة.. الكاتبة تناضل بالقلم وبالكلمة، وكثير من الجامعات تديرها المرأو وبنجاح كبير وهذا نضال"..
وقد توالت التعليقات في الصحف، وفي كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، متحدثة عن الأعداد الكبيرة من الإعلاميات في لبنان وغيره من الدول العربية المتقدّمة.
والواقع أن المرأة المعاصرة في عالمنا العربي مشطورة إلى شطرين. شطر أقعده الجهل الذي يتلقى ما تمليه عليه العادات والتقاليد وأنماط الحياة الزوجية.. وشطر يحاول الإنطلاق والتحليق في فضاء العلم والثقافة والكفاءة، وقد حلّق فعلاً، ولكن بأجنحة النعامة التي لا تمكّنها من الإرتفاع عن الأرض، فتعود بها إلى المنزل والمطبخ.
وهذه عيّنات من الإعلاميات في عالمنا العربي اللاّئي لم يقتنعن بعد بما وصلت إليه المرأة، وترى ضرورة مشاركتها في عجلة التقدم عن طريق القوى العاملة والمشاركة في صنع القرار.
ملبورن – أستراليا

شخصية نسائية: البروفسورة ماري بشير


نجاة فخري مرسي

حاكم ولاية نيو ساوث ويلز – أستراليا

من مواليد بلدة "دوما" لبنان، ومن أبوين لبنانيين.

كانت لها علاقة طويلة مع كليّة البنات، في جامعة سدني منذ عام 1950 حتى عام 1955.

- انتُخبت عام 1959 عضوة في مجلس المدرسة، ثم سكرتيرة فخرية.

- أصبحت رئيسة المجلس ما بين عام 1982 – 1990.

- عُيّنت بعدها مديرة للخدمات الطبيّة النفسية، في مدينة سدني، وطبيبة نفسية استشارية للخدمات النفسية للقاصرين في الولاية.

- عُيّنت عام 1996، كمستشارة أولى للخدمات الصحية (للأبورجنيز) أصحاب استراليا الأصليين في منطقتي ردفرن وكامبسي.

- تركت بعدها هذه المراكز، عندما تمّ تعيينها، حاكماً لولاية نيو ساوث. ويلز. شغلت مراكز مختلفة في مؤسسات إنسانية كثيرة مثل:

- منظمة العفو الدولية

– جمعية كاميليا للبحوث الاجتماعية في ولاية نيو ساوث ويلز، وراعية لفرقة سدني السمفونية في اوبرا استراليا. وانتُخبت عام 1971 (الأم المثالية)، وهي متزوجة من سير نيكولاس شحادة اللبناني الأصل والذي شغل مركز رئيس مؤسسة البث الإثني SBS.

- منحت وسام استراليا عام 1988 لخدماتها صحة الشباب والأطفال.

- وعيّنت أخيراً حاكماً لولاية نيو ساوث ويلز، عاصمتها سدني.

دمعة العيد


نجاة فخري مرسي
سهر العالم يوم 24 كانون الأول "ديسمبر" سهرة عيد الميلاد المجيد، وسهر يوم 31 منه سهرة عيد رأس السنة الجديدة. وفي 7 كانون الثاني "يناير" أطلت أعياد الطوائف الشرقية والقبطية.
كذلك إحتفلت الطوائف الإسلامية بعيد الفطر السعيد وستحتفل قريباً بعيد الأضحى المبارك.
وكثرت الأعياد وتقاربت، وفرح الناس، ونسي كل آلامه وأحزانه. ولكنني لم أشاركهم هذه الفرحة لا إعتراضاً على المناسبات وضرورتها في حياتنا، وإنما تألما.ً ومن خلال دمعة العيد، ترجمت مشاعري إلى هذه الكلمات:

-1-
طلّيت من بابي
قبل ما عايد صحابي,
شفت أطفال جوعانين
وأيتام عريانين
وشيوخ موحودين
وبيوت مهدومين
وأمّات ثكلانين
وشعوب مقهورين.
-2-
مسحت دمعاتي
وحملت "كايكاتي"
ونزلت عايدهن
وبالعيد شاركهن
تالعيد يصبح عيد
ونعيّدو من جديد ...


-3-
العيد معنى كبير
مش أكل ومشاوير
العيد لمّة أهل
ومشاركي بالفعل
وذكر الوطن وحوالُه
ومساعده في حمل أثقاله.

-4-
تا تجفّ دمعتنا
وتعود فرحتنا
والعيد يرجع عيد
ونعيّدو من جديد.

بيروت أيام زمان

نجاة فخري مرسي
من أرشيفي
من أرض خصّها الله بالنعم والجمال.. من بلاد عمرها ستة آلف سنة.. من وراء البحار.. من وطني لبنان.. من مدينتي الحبيبة بيروت، عروس المدن الساحلية في شرقي البحر الأبيض المتوسط.. المدينة التي جذبت سواح العالم للتمتع بمكنوناتها، ولكنها ويا للأسف هدمت الحرب اللبنانية بعضاً من معالمها، كما هدمت وسطها التجاري بأكمله، وأعيد إعماره على أسس حديثة.
إن من يعرف بيروت يعرفها صبيّة حسناء تنجلي في صدارة الشاطئ ذراعيها للرايح والغادي، وكم وكم أغْضَبَنا نبلها بتقاتلنا، وكم وكم آذينا شموخها بتفرّقنا، فقاومت وصبرت لعلمها أن أهلها سيعودون يوماً إلى أصالتهم، ويجتمعون، ويرجعونها رافعة الرأس مستعيدة دورها في طليعة البلدان بين الأمم المميزة. كنا نتناقل الحديث عن أهمية بيروت أيام زمان مما نقرأه في تاريخ كتاب التاريخ أو من محاضرات الباحثين، واليوم أعادتنا الحفريات التي أقيمت في الوسط التجاري إلى أيام عزّها ورقيها وحضارتها.
إذ كل يوم تكشف لنا الحفريات عن آثار جديدة عن عهد من العهود التي مرّت بها بيروت من قبل التاريخ.. من قبل الميلاد.. ومن بعد الميلاد، وكم من شعوب وأمم وردت إليها واحتلتها، واضمحلّت الشعوب، وانمحت الأمم، وبقيت بيروت، وانبعثت من التاريخ، في انتظار الإزدهار القريب. ومن الفخاريات التي وجدت، ومن النسر المحفور على صخر يتبيّن لنا أنها كانت في عهد غابر رومانية.
ومن الجرار المتقنة الصنع والأدوات الخزفية نعلم أنها كانت في فترة ما بيزنطية.. ومن الأواني والمدافن ما يرشد إلى العهد الكنعاني، ومن الأحجار التي كتبت عليها كتابات ونقوش، ومن جدران للأبنية أو الطرقات نستدل على أنها كانت بابلية تشهد على فنّ الهندسة، ورقي التخطيط، وفنّ الكتابة..
ووجدت فيها أيضاً أدوات حربية من العهد الأشوري. جميع هذه التحف والآثار الملموسة تدلّ على أن بيروت كانت مبنية في العهود القديمة وكان الوسط التجاري، أي تحت ساحة البرج وشارع المعرض، وساحة السمك، ومكان سينما ريفولي، وتحت مجلس النواب (الذي ما يزال في مكانه) وهذا يعني أن بيروت كانت ثابتة في مكانها منذ بداية الكون.. ومن أول الحضارة..
وأن جميع الشعوب والدول القديمة التي صنعت التاريخ كان لها ركن أساسي في بيروت.وفي العهد الفينيقي يوم كانت كل مدينة قائمة بذاتها، إمتدّت مساحة بيروت من نهر الكلب شمالاً حتى خلدة جنوباً، ومن البحر في رأس بيروت غرباً إلى نهر الموت في سفح جبل لبنان شرقاً، وكانت محاطة بالبساتين الغنّاء وكروم العنب، كما بنيت فيها الهياكل العظيمة، والأروقة المحاطة بالأعمدة الفخمة، وكانت تتنافس بالشهرة مع صيدا وصور وجبيل وجزيرة أرواد، ولكن مساحة تلك المدن كانت أصغر بكثير من مساحتها، وأمّا في العهد الروماني، أي ابتداء من سنة (64 ميلادي) فقد تفوّقت على جميع مدن الساحل، وتكاثر عدد سكانها، وازدهرت بالعلم والعمران وذاع صيتها في محيط بلدان البحر الأبيض المتوسط. وتوجد أبحاث علمية حالية تؤكد من الآثار والقبور والنقوش التي وجدت في البرازيل، وفي بعض مدن الأرجنتين أن الفينيقيين سكان بيروت والمدن الأخرى قد وصلوا الى تلك البلاد النائية قبل كريتسوفر كولومبوس بمئات السنين.
يتبع
– (والى اللقاء مع القسم الثاني) عن الإذاعية بديعة فتح الله جنبلاط

مسكين رمضان ـ الجزء الثاني

نجاة فخري مرسي
إستأنفت بعدها كتابة تحقيقي الصحفي المطلوب، بعد جولة في "حي الحسين" و "خان الخليلي" و "مقهى الفيشاوي" حيث تُقام سرادق للفنّ والأكل والكتب والمكتبات جنباً إلى جنب، وحيث تُنصب المايكرفونات في الشوارع.
وعندما تسير في أي شبر من هذا الحي تجد مهرجانات غنائية.. وحلقات للذكر، فتجد صعوبة بالغة في شق طريقك وسط ازدحام الناس، من القاهرة، ومن الأرياف، ومن بينهم السوّاح والطلبة من الجامعات والمعاهد، وأعداد من المطربين والمطربات، والكل وافد لقضاء ليلة من ليالي رمضان الشهيرة، حتى الفجر.
الكل يسير، والكل يأكل ويشرب الشاي، والكل يأخذه الطرب ويتمايل على أنغام الموسيقى الشعبية. فهنا جماعة "تُفقّر" وهنا جماعة تبيع البخور، وهنا مطاعم تُقدم "النيفة"، ومطاعم تقدم "الكباب المشوي" ومطاعم متخصصة بالحمام المحشي، وموائد الأكل منتشرة في الشوارع والممرات، والحي مزدحم بالروّاد والزائر جالس في هذه الممرات الى تلك الموائد يأكل، والناس تمرّ من حوله وتنظر إليه وهو في منتهى الأنس والإنسجام، ولا ينوي التوقّف أو الذهاب حتى ساعة "الإمساك" عن تناول الأكل عند الفجر، والذهاب إلى المسجد لتأدية صلاة الفجر، ثم العودة إلى منزله كي ينام.
وفي هذه المهرجانات يتردد إسم الإمام الحسين "مَدَدْ يا حسين، واسم السيدة زينب "مدد يا اُمُّ هاشم" حتى الصباح.
أمّا خان الخليلي فهو المقر للصناعات المصرية الفضّية والجلدية، والفرعونية التي تجذب السائح، وتسوّق المصنوعات اليدوية.
أمّا قهوة "الفيشاوي" الشهيرة والتي أكل الدهر عليها وشرب، فهي ما زالت تتحدّى بشيشتها القديمة وشايها الأخضر، وطابعها الشرقي القديم، وبيوت العنكبوت التي تغطي نصف سقفها، وحيطانها، أحدث المقاهي وأحلاها، لما عُرف عنها من ملتقى الأدباء والشعراء والمفكّرين في مصر، وكم ألفوا، وكم أنتجوا "فكرياً" بين جدرانها.
تخرج من هذا الحي العجيب، ورأسك يدور، وخياشيمك مشبعة بروائح الأكل والبخور، والبهارات والعطور، وعيونك زائغة من كثرة الزحام، لتجد نفسك ثانية في سوق للكتب، مكوّن من خيام عديدة، فوق كل خيمة إسم لمؤسسة ثقافية، أو مكتبة أو دار نشر.
والغريب أن كل هذا ينتهي بانتهاء رمضان، وتعود المياه إلى مجاريها.
والحقيقة تُقال أن كل ما رأيته في هذه الزيارة، وكل ما شاهدته كان غريباً ونادراً، ويتحدث عن جانب من التُراث، ولكنني للتأكد من ندارته، وختم هذا التحقيق، قمت في اليوم التالي بجولة على بعض الشخصيات كان أولها: السيدة وداد رشيد عالي الكيلاني (كريمة المجاهد العراقي المعروف) وسألتها إذا كانت توجد في العراق عادات رمضانية، تختلف عمّا ترينه في مصر؟ فكانت إجابتها: "أبداً لأن أكثر العادات العربية تقريباً واحدة، إلاّ أنه عندنا في العراق زي نسائي خاص أثناء التزاور في الشهر الكريم، وهو يرمز للحشمة والتقوى، إسمه: "الصايه البغدادي" و "الهاشمي" في البصرة.
أمّا العادات التي تتعلق بالمأكولات والحلويات و "البشمرزات" التي تسمّى "الياميش" في مصر، وهي تقريباً واحدة. وأمّا بالنسبة للعائلية الرمضانية، فهي تُقام كل ليلة في بيت من بيوت الأصدقاء، تُقدم فيها سيدات المنزل العزف والطرب.
وفي أواخر الشهر الكريم يطوف المقرؤون على البيوت لقراءة الأدعية الدينية، ثم يبدأ الإفطار الجماعي، لضرورة مشاركة الناس في الطعام، وهم يودّعون الشهر الكريم.
سألت بعدها الشريف محمد شرف/سفير الأردن السابق في الهند والمقيم في القاهرة عن رأيه بالعادات الرمضانية في مصر، وهل إذا كانت توجد في الأردن عادات تختلف عنها؟
أجابني: "برأيي أن مصر تمثل الوجه الإسلامي الصحيح، إذ نجد فيها من العادات ما لا نجده في البلاد العربية الأخرى. والذي أعجبني ولفت انتباهي كظاهرة تاريخية كان حي الحسين، فعندما نسير فيه، نستوحي حالاً ما حدث في هذه البقعة على مرّ القرون والعصور، بعد الفتح الإسلامي من التقاء القوميات، والطوائف والأديان، من تقلّب ظروف المسلمين من أسياد إلى مسودين، والعكس".
وكان آخر سؤال للشيخ "عبد اللطيف دراز/وكيل الأزهر، وعضو مجلس أمة سابق، قائلة: أرجو أن تتكرّموا فضيلتكم بإعطائي لمحة عن أبرز العادات الرمضانية في مصر؟
فأجاب: "يسرني طبعاً أن أبدأ بالقول إن مصرنا، ظاهرة التعبير الصريح عن حبّ المصري لدينه، ولأهل بيت الرسول على المنابر، وبواسطة مكبّرات الصوت، وفي الشوارع، وفي كل المناسبات الدينية، وهذا يدلّ على أن المصريين قد جمعوا بين الفضيلتين، بخلاف البلاد العربية الأخرى، التي ما زالت فيها الطائفية تلعب دوراً "خطيراً" فمنهم من يحب أهل البيت ومنهم من لا يحبهم مثلاً".
وأخيراً أستودعكم الله حتى رمضان آخر، وأذكّر أن الإفراط في الأكل والمأكولات تبذير (وان المبذّرون إخوان الشياطين) وكل رمضان وأنتم بخير.
ملبورن – أستراليا

مسكين رمضان

نجاة فخري مرسي
كتب هذا التحقيق في القاهرة عام 1962
مسكين رمضان، كم هو مظلوم، لقد أراده الله أن يكون شهر صيام وتقشف فحوّله بعض المسلمين، أو أكثرهم، إلى شهر الطيّبات. ماذا عساي أن أكتب عن شهر رمضان المبارك، هل أبدأ من حيث نزل فيه القرآن، أو أكتفي بسرد ما يجب أن يتحلى له من فضائل البذل والتقشّف، والمشاركة الروحية والإنسانية؟ والفوائد الصحيّة؟ أن أنطلق من وصف فوانيسه وسهراته وخيراته؟ أم أذكر وأذكر ما يسبّبه لميزانية كل أسرة من ربكة وخلل؟ أم أنني أتكل على الله، وأكتب ما يرضي ضميري، وأمانتي الصحفية دون مجاملة؟
إذن اسمحوا لي أن أترك حديث الفضائل لذوي الفضل من رجال الدين، والحسنات لمن أحسنوا الشعور بوجودها وتطبيقها، وأن أستئاذن رمضان في الدفاع عنه لأنه مظلوم، والدفاع عن المظلوم فضيلة، ثم أخاطب من أساؤا إلى تعاليمه واستغلوا وجوده الكريم، وحوّلوا فضائله إلى أزمات معويّة، واقتصادية، وصحية، وأحياناً إجتماعية.
رمضان في نظر المؤمن الواعي شهر التقشّف الروحي والجسدي.. وشهر المشاركة والإحسان.. ولكن أكثرنا حوّله إلى شهر "التخمة" وزيادة الوزن.. ومع ذلك نُغنّي: "يا رمضان يا شهر التوبة والفغران" ونعود ونردد: " يا حلاوة التين والقمردين".
قد يستغرب البعض ما أقول. ولكننا بعملية حسابية صغيرة نتبيّن قوة رمضان الشرائية التي تحسده عليها أشهر السنة الأخرى الاحدى عشر الباقية، في حين أنه كان يجب أن يكون شهر تقشّف واقتصاد، وأن يوفر للمسلم الصائم الراحة النفسية والصفاء الروحي، والقدرة على التصدّق والمشاركة، ومن ثمّ إسعاد أطفاله في فرحة العيد. وكذلك الراحة المعوية، والأجهزة الهضمية من كل ما علق بها من شحوم وتخمة وفضلات.
خرجت من مكتب رئيسي ومُدرّبي الأستاذ مرسي الشافعي مدير مجلة "المصوّر" المصرية في دار الهلال في القاهرة، وكلفت بعمل تحقيق صحفي عن رمضان وليالي رمضان، ومعي مصوّر المجلة، وبعض الأوراق على أن أعود وقد ملأتها واستهلكت ما في الكاميرا من أفلام مصوّرة لفوانيس رمضان الجميلة، وولائمه الكثيرة، وأوراقي مليئة بقصص وحكايات عن حلاوة ليالي رمضان وسهراته وخيراته ومكسّراته و "باميته".
ولكنني عدت وأوراقي مليئة بحكايات ومظاهر البذخ والإسراف، وكيف أن الناس في هذا المجتمع قد حوّلوا هذا الشهر الفضيل إلى شهر طيبّات وبذخ وإسراف، وزيادة وزن، وكيف قلبوا الآية، وعكسوا المفروض. ولا بدّ من عرض بعض الصور التي شاهدتها في بعض البيوت الكريمة، أوّلها منزل لاجئ سياسي كبير في إحدى الدول العربية الشقيقة، قابلته بوجود مفتي جمهورية وعضو مجلس أمّة سابق على قدر كبير من الوعي، كانت سفرته عامرة بأطباق وألوان عديدة من الأطعمة والفواكه والحلويات، والمكسّرات إذا حسبتها وأحصيتها لا تصدّق. أما البيت الثاني، فكان منزل مدرّس، يسكن في حي شعبي متواضع مكوّن من ثلاث غرف مقاس علب السردين، مكتظّة بالأثاث القديم المستهلك والعائلة مكوّنة من الأبوين وثلاثة أطفال.
كانت سفرة إفطاره مكتظّة بالأطعمة مثل شقته وفي وسطها خروف قد تمّ ذبحه في استقبال رمضان. وأعتقد أنهما صورتان كافيتان لجعل القارئ يشاركني الرأي في أن السفرة الأولى يمكنها أن تطعم أكثر من خمسين محروم من فضلاتها.
والسفرة الثانية يمكنها أن تكسو العائلة بملابس جديدة يوم العيد، أو أن تحسّن وضع الأثاث المستهلك بثمن خرافها المذبوحة في استقبال رمضان، وثم في وداعه يوم العيد. وفي كل الحالات أرجع وأقول مسكين رمضان كم هو مظلوم. والى اللقاء في الفصل الثاني الأجمل في رمضان "بحي الحسين"، وشارع "خان الخليلي".
ملبورن – أستراليا
في 24/9/2007

أيام زمان

نجاة فخري مرسي
من منّا لا يهمّه أن يعرف ما طمسته الأحداث السياسية المؤلمة من تراثنا العريق، يوم كانت لنا حضارات فاقت في حينها كل الحضارات الأدبية والثقافية، يوم كانت تتفوّق على العالم الذي أصبح يدّعي التحضّر اليوم، مع أنه لم يغيّر أسلوبه في القرصنة والإستعمار ، وإن يكن قد غيّر شكلها، من استعمال سيف يقتل به شخصاً أو بضعة أشخاص، إلى أساليب فتك ودمار تبيد المدن والعمران، وتقتل مئات الألوف في لحظات، ولا يهمّ أن يكون القاتل شجاعاً، لكن المهم أن يكون جباناً، يستطيع أن يضغط بأصبع آثم على زر في طائرة أو في باخرة أو في دبابة، فيقتل ما عجز عن قتله آلاف الشجعان والمحاربين في حروب قديمة، وطويلة.
في لقاء مع إذاعية معروفة ينطلق صوتها من محطة "صوت لبنان" في بيروت، كل خميس من أيام الأسبوع كان هذا اللقاء في مكتبها بصوت لبنان بتاريخ 16/5/1996. تحدثنا عن مسيرتها الإذاعية، التي بدأت في تقديم برنامج ما يطلبه المستعمون، تلاه برنامج تلفزيوني على الهواء، أصبح له عشاقه ثم يعاد بثّه في مجلة الصياد لأن أكثرها تراثي، فقال فيها الإعلامي المعروف سعيد فريحة صاحب مجلة الصياد، هذه العبارة التي شجعتني، والعبارة هي: "ليس من الضرورة أن تكون من كتبت عن نابليون بونابرت قد حضرت معاركه.. ولا من الضرورة أن تكون من تتكلم عن صلاح الدين قد عاشت في عصره".
ثم دار بيننا الحديث التالي:
س: لنفترض أنني قرّرت أن أقدّمك للمستمع العربي في استراليا، فهل يهمّك هذا؟
أجابت، طبعاً، طبعاً طبعاً"، وقدّمت لي شريط فيديو بصوتها وفيه حلقات برنامجها "أيام زمان" لتسمعه الجالية العربية في أستراليا.
نقلته بعد عودتي على الورق، ونشرته في أحد برامجي في جريدة "النهار" المهجرية الغرّاء تحت عنوان "أيام زمان" ثم احتفظت به في أرشيفي الصحافي.
وبينما كنت أبحث في هذا الأرشيف المليء بالذكريات والأفكار السياسية للمقارنة بين حاضرنا وماضينا، فوجدت فيما وجدت برنامج الصديقة والزميلة "أيام زمان" الذي يعود تاريخه إلى أواخر القرن العشرين.
رأيت أن أشرك القارئ في هذه المقارنة بين بيروت اليوم و "بيروت أيام زمان" وعن الأحداث الكثيرة التي قاست منها على مدى تاريخها الطويل الذي يصل بتقديرات الحفريات الجديدة إلى ستة آلاف سنة، وعن الغزاة وعن الحروب، والكوارث الطبيعية، وبالتالي عن ظلم أهلها لها بحروبهم الأهلية البغيضة، التي شوّهت جمالها، ودمّرت عمرانها.
ومع ذلك ظلت بيروتنا العريقة إلى عهد قريب، منتدى للأدب والفكر وبقيت نوّارة الشرق ودرّة الأوطان، وجميلة الجميلات، وستبقى بإذن الله.
وإلى اللقاء في العدد القادم في مجلة ليلى الألكترونية الغرّاء مع القسم الأول من : "بيروت أيام زمان".
ملبورن – أستراليا