نجاة فخري مرسي
اجتمعت يوم السبت الماضي جموع غفيرة في ملبورن بدعوة من حركة الناصريين المستقلين "المرابطون" لإحياء وتخليد ذكرى رحيل القائد جمال عبد الناصر.
وبهذه المناسبة، توقظنا لسعة الألم ونحن نرى ما آلت اليه حال المنطقة العربية من تقهقر وضياع ونكسات وويلات بعد رحيل رجل القومية العربية الصادق.
لولا غياب عبد الناصر المبكر لما تعرضت أرض الكنانة لما تعرضت له من مضار وعزلة بعد عهده.
ولولا غياب عبد الناصر عن الساحة العربية لما سبح لبنان بحمامات الدم بسبب حربه الأهلية ولا تجرأت اسرائيل على اجتياح أرضه بعد أن تأزمت أموره وأصبح حاميها حراميها.
ولولا غياب عبد الناصر لما اشتعلت حرب الخليج بهذه الضراوة والغباوة، والامة الاسلامية تفني نفسها بنفسها.. ودعاة الاسلام يزايدون على ذبحه.. دون أن نجد في هذه الأمة من ينقذها من نفسها، أو يمد لها يد العون.
ولولا غياب عبد الناصر لما افتقرت المنطقة العربية الى من يسهر على مشاكلها، ويحمي كرامتها.. ويخلصها ليس فقط من الأعداء، بل من لعبة الدمار الذاتي التي تلعبها.. ومن الانتحار البطيء الذي تمارسه.
إننا بحاجة الى عبد الناصر جديد، يعيد زرع بذور القومية العربية في أرضنا بعد أن تفرقت شعوبنا الى شيع وأحزاب، وحملت ملايين الشعارات، التي تنادي بالتفرقة والتباعد والعداء وأصبحت تحركها رجالات الدين والعمائم والقلنسوات.
ذكرى رحيل عبد الناصر
التجارة والتجار العرب في ملبورن
قال لي مصدر موثوق، بعد حديث طويل عمّا وصلت اليه التجارة العربية في ملبورن بأنها قد انتشرت انتشاراً ملفتاً، وخاصة تجارة المطاعم والكافيتاريات والمقاهي التي أصبحت تمثل حوال 80% من مجموعها في قلب مدينة ملبورن وخاصة في شارع سوانستون الرئيسي.. هذا بالاضافة الى نسبة كبيرة من (الملك بارات) و "7 Eleven" والأفران والمصانع وجميع أنواع المتاجر الصغيرة، في ضواحي ملبورن.
وهنا يطيب لي أن أقف عند كلمة "المتاجر الصغيرة" متسائلة: لماذا تبقى تجارتنا صغيرة؟ ولماذا لا يسعى العربي لأن تكون تجارته كبيرة؟ خاصة ونحن نعيش في بلد بدأت تجتاحها الشركات الكبيرة ورؤوس الأموال الأميركية والصهيونية؟
والرد الطبيعي هو أننا نفهم بالتجارة ونعمل بجهد منقطع النظير، ولكننا نؤمن بالفردية ونكره الشركة.. ولا نثق ببعضنا البعض.. لذلك لا نستطيع أن نكبر ونتوسع. ومن النادر أن نجد بيننا مصدّراً أو مستورداً لأن تجارة التصدير والاستيراد تحتاج الى شريك في الخارج ليوفر البضاعة ويشحنها زائد أنها تحتاج الى دعم في السوق وتشجيع من أبناء الجالية.. فيصطدم المستورد بالحقيقة المرّة التي كثيراً ما تسبب فشله وضياع رأس ماله.. وهي أن كل واحد منا يغني على ليلاه.. وإن اعتمد المستورد على الغير، فالغير محتكر وربّما يتجنّب التعامل معنا لأسباب كلنا نعرفها.
وللتجارة تقييم مادي وأدبي وتقييمنا للمتاجر الصغيرة مادياً هو أنها على اختلاف أنواعها قد تؤمن عيش الفرد مع أسرته وربّما تمكنه من توفير بعض المال بعرق الجبين، ولكنها محلات مملوكة لأفراد مستقبلها محدود، ومن المستحيل أن تتحول الى رأس مال مرموق يمكن أن يُعمل له أي حساب في سوق التجارة الاسترالي.
وأمّا للتقييم الأدبي فنستطيع أن نذكر الأفران والمطاعم العربية ثم نقول بأنها قد حققت بعض المكاسب الأدبية بالاضافة الى ما تحققه من مكاسب مالية.
لأن الفرن الذي ينتج الخبز العربي قد وصل الى مرحلة جيدة من المكاسب القومية حيث غزا جميع المحلات وأصبحنا نجده في المخازن الكبرى مثل "السايف واي" و "السوبر ماركت" وأصبح يعرفه كل فرد في المجتمع الملبورني* كخبز عربي وممتاز هذا بالإضافة الى شجاعة وعصامية بعض منتجيه بكتابتهم للحرف العربي على غلافه.
كذلك المطاعم العربية التي كثر عددها وبدأت تتفنن بعرض مأكولاتها الشهية وتجتهد بتحسين خدمة الزبون مما حسّن سمعتها وجعلها في مصاف المطاعم الاثنية الاخرى وأصبح الطبق العربي واللبناني بالذات من الأطباق الشهيرة في ملبورن ونخص بالذكر مطعم "ارابيان نايت" و "المازات" ومطعم "عبلا" و "عبدول" الذين نعتبرهم قد حققوا الهدف القومي مع المكسب المالي.
وأما المصانع فلا نستطيع أن نسميها عربية وإنما هي مصانع مملوكة للعرب ما دامت تنتج الملابس العامة للاستهلاك المحلي وليس من بينها من فكر بإنتاج الملابس الشرقية لكي يحقق هدفاً قومياً ويجعلها على الأقل، تختلف عن غيرها ومن ثم تسلم من المضاربة أو تسير على طريق مختلف.. أو تحويلها الى شركة أقوى على الاستمرار.
ولنأخذ مثلاً مصنع "خليل ولطوف" للألبسة في منطقة برانزويك الذي تأسس منذ حوالي مائة سنة وهو الآن يعدّ أكبر مصنع يملكه عرب.. وقد عاش وكبر لأنه تأسس كشركة مساهمة.. ممّا ساعده على التوسع والاستمرار بالرغم من أن أحد مؤسسيه قد توفي فسيّره وواصل العمل فيه بقية الشركاء.. ولو كان هذا المصنع لفرد واحد لوجب بيعه حال وفاة مالكه أو مرضه أو تقاعده عن العمل.
كذلك عاشت الصحافة العربية في المجتمع الاسترالي، على الهامش الى أن استطاعت أن تفرض وجودها بين الصحف الاثنية الأخرى وأصبحت تدخل مكاتب الدولة، وتترجم افتتاحياتها لمعرفة مضامينها واتجاهاتها.. وهذا حوّلها من مجرّد تجارة متواضعة للاستهلاك المحلي الى صحافة ذات خط قومي، وهذا يبعث في نفوسنا الأمل بأن تتحول التجارات العربية الصغيرة أيضاً الى شركات تكون قادرة على أن تحمي نفسها وسط تيارات الإحتكار وتدفق رؤوس الأموال الاجنبية على استراليا، وما سمي التجارة الحرّة.
* أي في مدينة ملبورن عاصمة ولاية فكتوريا في استراليا.
المرأة والطناجر
نجاة فخري مرسي
- حوار خيالي "سُريالي" بين المرأة والطناجر
انتهت ربة المنزل من غسل الاطباق، وفرك الطناجر كالمعتاد، ثم جلست على أقرب كرسي، منهمكة متعبة "قرفانة"، ثم أخذت فوطة المطبخ وبدأت تنشف يديها ومعصميها، وتضع عليهما بعض "الكريم" المُرطب.
وجدت نفسها على غير عادتها في حوار "سُريالي" مع نفسها متسائلة: من الذي اختار لي هذه الوظيفة؟ ثم ثبّتني فيها دون أن يأخذ رأيي؟ فتحت عيني منذ نعومة أطفاري، لأجد جدتي وأمي خالتي وعمتي يقمن، بذات الوظيفة. يؤدين نفس العمل، في وظيفة أطلقوا عليها اسم "ربة المنزل" إغراء ورياء، وما هي في الحقيقة سوى وظيفة "خادمة المنزل" دون أجر، أو "كوادر"، أو علاوات، أو إجازات مرضية أو أسبوعية، أو سنوية، أو حتى تقاعد شيخوخة، الى أن أصبحت وكأنها قد صدر بحقها حكم مؤبد لا استئناف فيه، ولا تلطف في وقعه.
ثم تعود وتتساءل، أنا الطبيبة التي أمضيت نصف عمري في الدراسة والتخصص، ليصبح لي دور إجتماعي وإنساني، ويصبح عندي باب للمعيشة، وركيزة لكيان إقتصادي يحررني من أن أبقى عالة على رجل ما كأب، أو أخ، أو زوج، أو حتى إبن، ولكي أحتفظ بشخصيتي وقراري، وأعيش كإنسانة فاعلة في مجتمعها تؤمن بالمشاركة الواعية المبنية على أسس التكافؤ والتفاهم، والحب الحقيقي المتبادل.
كيف وجدت نفسي بعد كل هذا؟ وجدتها في ذات المركب مع أمي وجدتي، مع كل امرأة حُرمت من العلم، ومُنعت من الثقافة، وحكم عليها بالجهل؟؟.
ها قد حُكم عليّ أن أعود من عيادتي، مهما عالجت من حالات مرضية ومهما كنت متعبة، أن أعود الى المطبخ أمارس فيه قدري، مهما سبب لي ذلك من إرهاق جسدي ونفسي، أمّا الطرف الآخر فهو يجلس متكاسلاً لتستجاب كل طلباته ورغباته، دون أدنى شعور بواجب المشاركة مع من تعدّ في قاموس الكائنات "انسانة" من لحم ودم وكيان.
ثم تستمر متسائلة: لماذا لا يكون لي الحق كأي طالب وظيفة أكبُرت هذه الوظيفة أم صغرت، فأستقيل من وظيفة "ربة المنزل" هذه أو أرفضها؟ أو أعتذر عن مزاولتها، عندما يبلغ بي الارهاق أو عندما أشعر بالظلم وبالغبن وعدم المساواة؟ فأنصرف الى عيادتي ومرضاي، ثم لماذا وألف لماذا؟؟
وهنا ينال منها الغضب وتتساءل بتكرار: من ذا الذي حكم علي بزمالة الطناجر؟ وتنظيف كل شيء في المنزل، حتى أرضيته وحمّاماته ومراحيضه، بذات الأنامل وذات الأيدي التي تجري العمليات الجراحية، وتعالج المرضى، وتمسح دموع الموجعين؟ ثم يسمونني بعد ذلك "ربة المنزل"، مع أنه يوجد دائماً "رب للمنزل" ولكنه يأبى أن يكون خادمه مثلي – كما أنه يصرّ دائما أنه وحده رب المنزل الفعلي الآمر الناهي، صاحب الحول والطول.
هل هي ضريبة الزواج، وبناء الأسرة؟
أم هي السياسة الحتمية لكوني أنثى؟ أم أنها قرارات مجلس أمن أزلية وأبدية تنصّ على تسليم قيادة المجتمع والمنزل لذوي العضلات الأقوى "لأرباب" لا ترحم، ولا تلتفت الى الاعتبارات الانسانية، والى التفوق الفكري قبل العضلات، أو على الاقل الى نعومة الأنامل ورقة المشاعر؟
تذكرت طبيبتنا ذلك القرار الامريكي الذي يتحدث عن نسبة الطلاق في
أمريكا، ويربطها بنسبة نجاح النساء الأمريكيات في وظائفهن فيقول ان 18% من المدراء في أمريكا من النساء، وان 60% ممن تشملهن نسبة 18% مطلقات أو مطلِقات، وذلك لكونهن ناجحات في مراكزهن الادراية على حساب مراكزهن "المطبخية".
وهنا سرحت بنظرها وهي ما زالت تجلس في ذات المكان وعلى ذات الكرسي تسترد أنفاسها، الى أن وقع نظرها على رفّ الطناجر المقابل، فتراءى لها أنه شديد الشبه بصفّ العساكر يحدّقون بها ولسان حالهم يقول: لماذا تنظرين الينا شزراً هكذا؟ لعلك كارهة لزمالتنا؟ مع أننا قد ألفنا رفقتك وزمالتك.
ثم عادت وتصورت نفسها في حوار مع هذه " الطناجر"، وانها سمعت "طنجرة الالمنيوم" وهي تقول: أنا آسفة يا دكتورة على ما أسببه لك من عناء أثناء فركي وتلميعي بعد كل طبخة تطبخينها...
وقالت طنجرة "التفال": أما أنا فسعيدة لأنني لا أسبب لك الكثير من العناء، ولا لأناملك الرقيقة الكثير من الفرك والدعك...
وقالت طنجرة "الستانليس ستيل": أما أنا فأقلهما إزعاجاً، لأنه بإمكانك أن تغسليني في ماكينة غسيل الأطباق الاتوماتيكية وبهذا لا أسبب لأناملك الرقيقة جفاف البشرة، ولا ليديك بروز العروق، كما تفعل طنجرة " الالمنيوم" لكثرة ما تحتاجة من فرك ودعك بالليف والسلك وبالمستحضرات الكيميائية الضارّة.
ثم صاح الثلاثة بصوت واحد: نحن نحبك يا دكتورة وقد ألفنا عشرتك، يعني (عشرة عُمر)، ومن أقرب الى "ربة المنزل" من "الطناجر"؟ إذ نحن بدونها لا تبقى للمنزل بنا حاجة.
وهنا تصورت نفسها تجيب هذه المجموعة المتنوعة من الطناجر و"الحلات" التي ملت رؤيتها وتنظيفها قائلة: ولكنني لا أحبكم، بل وأنتظر اللحظة التي تغربون فيها عن وجهي.
فأجابت الطناجر بصوت واحد: ولكن لماذا يا دكتورة؟ أنت تعلمين جيداً أننا ليس لنا ذنب فيما تعانين، فكيف فرضت عليك عشرتنا، كذلك فرضت علينا عشرتك.
وإذا كانت شهاداتك الجامعية العالية قد عجزت عن تحريرك من عشرتنا، من وظيفة خدمة المنزل، وزمالة الطناجر والصحون فنحن أيضاً لم تشفع لنا تكنولوجيا العصر من عذاب الفرك والدعك.
ثم تهيأ لها أن الطناجر قد خفضت أصواتها وهي تقول:
نحن مثلك يا دكتورة ضحايا، وُضعنا معك في قارب واحد، مثلنا من رُمي به في اليمّ بين الامواج المتلاطمة، حتى لا تسمع أصواتهم أو استغاثتهم.
ومرت بنا الايام والنيران تلهب قاعنا، والليف يُجرح أجسادنا والزمن يقول: "الحلل والطناجر، وربّات المنازل، الى أبد الآبدين، آمين".
وهذا يشعرنا أيتها الرفيقة، أن ما تلبسينه من خواتم وماس وياقوت، ما هو سوى مجرد وسيلة ينسيك بريقها ما آلت اليه بشرة يديك الناعمة من جفاف.
إنتفضت الطبيبة غاضبة وصاحت: أغربوا عن وجهي أنا أكرهكم، ولا أحب أن أراكم بعد اليوم إلا برغبتي وإرادتي.
وهنا سمعت الطناجر تقهقه وتتراقص فوق الرفوف وتقول:
لا، لا لا تغضبي أيتها الرفيقة المفضلة، ولا تطلبي منا أن نغرب عن وجهك، لأن مشكلتك ليست منا أو فينا، ولا ما في هذا الكون الكبير من حلل وطناجر وأطباق ومطابخ ومراحيض، وإنما مشكلتك نابعة من عجزك عن فرض إرادتك، ووضع قرارك بنفسك للتحرر من زمالتنا، ومن الأفضل لك ولنا أن نجدد دائماً معاهدة للتحرر من زمالتنا، ومن الأفضل لك ولنا أن نجدد دائما معاهدة الزمالة، ولا داعي للغضب أو التأنيب. وحاولي أن ترضي عنا، ما دام أصحاب القرار قد زوجوك لنا، وزوجونا لك تلك الزيجة الكاثوليكية التي لا طلاق فيها ولا انعتاق حتى الموت. وتأكدي أيتها الرفيقة العزيزة من أنك حتى وإن غزوت الفضاء جنباً الى جنب مع "أرباب المنازل" فإن مركبتك الفضائية ستهبط بك مباشرة في المطبخ، لتعدّي طعام العشاء قبل أن تسرع عدسات التلفزيون الى مقابلتك، والتحدث عن رحلتك البطولية الى الفضاء.
وفجأة تنبهت الدكتورة "ربة المنزل" من تصوراتها على صوت "رب المنزل" الحقيقي الذي ظهر فجأة وهو يصيح: أنا جائع، أين العشاء؟
كلمة وداع
تكرّمت جريدة "الانوار" بعد صدورها، بتخصيص صفحة للمرأة، بناء على طلب مني.
كان طلبي هذا لاعتبارات تتعلق بالمرأة العربية المهاجرة، تعبّر فيها عن قدراتها ومواهبها والتعبير عن شؤونها وشجونها، إذا أرادت بعيداً عن السياسة، التي شغلت صحفنا العربية في استراليا، وكرّرت مآسينا واستوردتها لنا بحلوها ومرّها.
سعدت بمبادرة جريدة "الانوار" واستجابتها بأن تكون للمرأة العربية المهاجرة صفحة، وصفحة واحدة، في جريدة فيها 26 صفحة سياسية تعبّر فيها عن مواهبها، وعن شؤونها وشجونها في هذا المغترب البعيد.
ساهمت في هذه الصفحة لفترة ثم غبت بسبب حادث لمدة ثلاثة أشهر أمضيتها في المستشفيات، وعندما عدت، ماذا وجدت، وجدت أن صفحة المرأة لم يكتب فيها قلم امرأة، وان إدارة الجريدة هي التي تكفّلت مضطرة أن تملأها بأخبار النساء، الى أن فقدت غايتها وقضت بالسكتة القلبية.
ذكرتني هذه الحادثة بعبارة قلتها في الثمانينيات، عندما قدمت استقالتي لإدارة جريدة "النهار" المهجرية الغرّاء لصاحبها الصحافي بطرس عنداري، بعد تعاون لمدة أكثر من عشر سنوات، فرفض أكثر من مرة، وأمام إصراري على الراحة قال: "وأخيراً أمرنا لله"، فأجبته موجهة كلامي الى قرّائي الاعزاء: "وداعاً والى اللقاء" وفعلاً لم أغب طويلاً، واستمر اللقاء حتى الآن، وما زلنا نلتقي، وسيستمر اللقاء، مادام في العمر بقية.
النفاق السياسي .. لماذا؟
هبّت علينا اخبار اغتيال رئيس وزراء اسرائيل اسحاق رابين كالعاصفة. فأفردت لها وسائل الاعلام العالمي – المملوك أكثره لليهود الساعات الطويلة. ووصفه بعضها بأنه أعظم رجل في العالم، ومنها من قال انه شهيد السلام. فتبعتها بعض اذاعاتنا العربية في استراليا مرددة كل شاردة وواردة مما قالته الاذاعات العالمية.
أنا أرى ان النفاق السياسي العربي سيساعد الغرب واعلامه على جعل اسحاق رابين اسطورة سلام، وأرى انه لا داعي الى اخفاء مشاعرنا في مثل هذه المناسبات لأن الكل يعلم حقيقتها تجاه قاتل اهلنا واطفالنا ومدمّر ديارنا.
وكابنة لجنوب لبنان – الارض المحروقة – لا استطيع ان انضم الى معسكر النفاق، لان جميع الشرائع السماوية تقول ان القاتل يُقتل، و "بشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين". واسحاق رابين في عنقه مئات بل الاف القتلى من الشيوخ والنساء والاطفال الابرياء، كانت طائراته وصواريخه تدك قرى الجنوب في لبنان وتصبّ الحمم على رؤوس الجنوبيين في نفس اليوم الذي اغتيل فيه. ومن يرى غير ذلك فليسأل غزة، وليسأل كل قرية في جنوب لبنان. ويسأل الصيادين في صيدا وصور، ويسأل مياتم الاطفال في الجنوب ثم يسأل نفسه من كان يأمر بقتل وكسر عظام اطفال الانتفاضة؟ من ملأ سجون اسرائيل بالشباب الفلسطيني واللبناني واذاقهم مر العذاب؟ من أمر بالعقاب الجماعي ونسف بيوت من يُشك بأمرهم؟ من استمر في بناء المستعمرات على اراضي الشعب الفلسطيني المشرّد؟ من سمح بتسليح سكان المستعمرات لقتل المصلين في المساجد؟ من أمر بخطف الشيخ عبيد وغيره؟ ومن أمر باغتيال القائد يحي الشقاقي؟
اليس هو نفس اسحاق رابين الذي صمم مسرحية السلام المزعوم بمساعدة صديقه الدامع الحنون كلينتون؟ اليس هو اسحاق رابين الذي اعلن مؤخراً – ومسرحية السلام لا تزال تعرض فصولها – ان مدينة القدس عاصمة اسرائيل الابدية؟
ان ما اسمياه كلينتون ورابين بالسلام، لم يعد يخفى على احد وما هو سوى خطة استعمارية ذكية للسيطرة على المنطقة اقتصاديا، لتحقيق خريطة اسرائيل من الفرات حتى النيل بالاستعمار الاقتصادي الحديث، بعد ان صعب تحقيقها باسلوب الاستعمار العسكري التقليدي.
وبعد فهل يُعقل يا سادة ان يسمى من فعل كل هذا، رجل سلام؟ أو لعلها لغة النظام العالمي الجديد، ونحن لا نفهمها، وما علينا سوى ان نتجرّع سمومها وننافق.
ولأنني لا أحب النفاق، فاعذروني.
امرأة انسانة
بمناسبة عيد الام بحثت في ذاكرتي وفي أوراقي عن موضوع نسائي يتناسب مع هذه المناسبة فوجدت موضوع لقائي مع السيدة نازك الحريري اثناء زيارتي الاخيرة لمصر ولبنان وهي اللبنانية التي عرفت مشاعر الامومة الوطنية لما تتمتع به من امكانات مالية واجتماعية ووطنية.
كنت قد حققت هذا الموضوع بانتظار الوقت المناسب لنشره بعيدا عن السياسة اللبنانية المعروفة بخلط الاوراق.
وأظن انني قد وجدت المناسبة الان كي اقدم لكم ولكن هذه السيدة الكريمة وأم الايتام والمعوقين والمكفوفين في غرب بيروت.
ومن غير الامهات يضمد جراح الاخوة والابناء عندما يفقدون صوابهم ويرجمون اوطانهم.
أثناء زيارتي الاخيرة الى مصر ولبنان اقامت السفارة اللبنانية حفل استقبال لرئيس الوزراء الذي زار مصر لعمل اتفاقيات وتوطيد العلاقات بين البلدين وفي حفل الكوكتيل الخاص الذي اقامته حرم سفيرنا في القاهرة السيدة دمشقية التقيت بالسيدة نازك الحريري حرم رئيس الوزراء مع مجموعة كبيرة من سيدات المجتمع مصريات ولبنانيات اعلاميات ودبلوماسيات وسيدات اعمال.
كانت تتحدث مع الجميع والابتسامة لا تفارق ثغرها الجميل، وعندما تحدثت معها وجدت فيها المرأة الانسانة التي لا يهمها كثيرا حب الظهور، ولا تظهر على المسارح الخطابية او تزايد على المراكز، كما يفعل غيرها من نساء ورجال المؤسسات السياسية والاجتماعية في بلادنا بل اتجهت الى ما تؤمن به من عمل الخير ومساعدة المحتاجين والمعوقين من ضحايا الحرب الاهلية البغيضة في وطنها. تلك الحرب لم تحقق سوى عكس ما يرجوه ويتمناه المواطن المخلص المسالم.
وبعد حديث سريع ابتسمت وقالت: دعينا يا عزيزتي نتحدث الان ونتعارف واخبريني اكثر عن حياتكم في استراليا اما عن شخصي وعن نشاطي الخاص فسيصلك بعد عودتك وعودتنا الى بيروت مع رسول خاص. ثم أومأت الى المصور بأن يأخذ لنا صورة معا كما اوكلت الى أحد الاعلاميين المرافقين بأن يأخذ عنواني ويتكفل بالباقي.
صراحة اعتقدت في حينه انها ربما تكون حركة من زوجة سياسي تريد ان تنهي اللقاء مع اعلامية فضولية ولكنني عندما عدت الى بيروت وجدت الصور مطبوعة عن سيرة السيدة الحريري بانتظاري ووصلتني جميعها مع رسول خاص حسب الوعد فكذبت بذلك ظنوني.
والذي اريد ان اقوله الان انني رجعت من لبنان لأجد صحافتنا اللبنانية المهجرية لا حديث لها سوى مهاجمة رئيس الوزراء الحريري الذي هو زوجها ووصفه بما لم يوصف به رئيس وزراء من قبل.
فآثرت الانتظار الى أن اجد فسحة زمنية تبعد ما بين سياسة الرجال وانسانية نازك الحريري ذات المشاريع الانسانية المعروفة ذلك لأنني لم أعوّد قلمي "العتيق" على مهاجمة الانظمة ولا على مديحها وافضل ان نساعد لبناننا على النهوض من كبوته وكفانا وكفاه ما اصابه واصابنا من لعبة شد الحبال والحروب الاهلية التي لم تحقق سوى الخراب وتكريس الطائفية اكثر واكثر هذا علاوة على انها دفعت بالالاف من المثقفين الى الهرب من جحيم المنازعات الى كل ركن من اركان العالم علاوة على ما ازهقت من ارواح. وما تركت وراءها من مقعدين ومعوقين ومتسولين ومن موتورين ومرضى النفوس.
ولا عودت قلمي على ان يصب البنزين فوق النار ليزيدها اشتعالا لصالح احد. وتهمني خدمة الصالح العام والسلام والاصلاح الاجتماعي والبحث عن الطاقات النسائية الانسانية الفاعلة في عالمنا العربي. وافضل ان نبحث شمعة تضيء حياتنا قبل ان نلعن الظلام او نعيشه دائما.
لذلك قدمت في الحلقة الماضية نبذة عن السيدة نازك الحريري بعيداً بعيداً عن السياسة اللبنانية وتحدثت عن الجانب الانساني في حياتها وبلغة الارقام لان الارقام لغة الاقناع وهي التي تتحدث عن نفسها .
نشاطات السيدة نازك رفيق الحريري الانسانية والتربوية والثقافية
شخصية نسائية من لبنان
تعتبر حالات الاعاقة الجسدية والتخلف العقلي، الى جانب رعاية الأيتام والمسنّين، من أهم القضايا الانسانية التي يتوجب على القادرين من دول وحكومات ومؤسسات وأفراد كافة الاهتمام بها، وإيجاد الرعاية والأمكنة الكفيلة بمعالجتهم وايوائهم. من هنا كان اهتمام السيدة نازك رفيق الحريري يتركز أساساً على رعاية واحتضان هذه الحالات الانسانية، وأنشأت لهذه الغاية مؤسسات تعنى بالمعاقين والمتخلفين عقلياً والأيتام في لبنان والعالم العربي، الى جانب اشرافها الدائم على مؤسسات الحريري التربوية والصحية. ويأتي في مقدمات هذه المؤسسات مركز نازك الحريري للتربية الخاصة الذي انشئ في عمان لتقديم الخدمات الشاملة والمتكاملة للمعوقين عقليا، من حيث إعداد برامج التدريب والتعليم والتأهيل المهني والاجتماعي، ومن حيث توفير الخدمات التدريبية والتوعية لأهالي المعوقين الذين لم تتح الظروف لأطفالهم للإلتحاق بمراكز او مؤسسات للتربية الخاصة. وكذلك توفير التدريب للعاملين مع المعوقين سواء كانوا من الاردن او من الاقطار العربية الشقيقة من خلال عقد الدورات المتخصصة في هذا المجال.
والى جانب اهتمام السيدة نازك الحريري بالحالات الانسانية عبر مؤسساتها الاجتماعية، فهي تقود حاليا واحدة من اهم المؤسسات التربوية في العالم: "مؤسسة الحريري" التي انشئت في العام 1979 في مدينة صيدا لتتوسع لاحقا في العام 1983 وتشمل بيروت والمناطق اللبنانية كافة، لتؤدي رسالة ثقافية وتربوية شاملة افتقر اليها لبنان منذ مطلع الاستقلال، على قاعدة انها مؤسسة ثقافية علمية تمنح قروضا مالية للطلاب الراغبين في تكملة دراساتهم الجامعية والذين تحول ظروفهم المادية دون تمكنهم من ذلك، وتسعى لنشر العلم والمعرفة في اوساط المجتمع اللبناني بمختلف فئاته وطوائفه.
أما في مجال الخدمات الطبية والاجتماعية، فقد ساهمت السيدة نازك الحريري بدعم المستشفيات عن طريق تقديم اموال نقدية وأجهزة طبية، وبتقديم مساعدات لمرضى الحالات الصعبة من عمليات القلب المفتوح وزرع الكلى وزرع القرنيات.. الخ.
كما قدمت السيدة نازك الحريري مساعدات الى مئات العائلات الفقيرة التي يعاني احد افرادها من مرض مزمن.
واضافة الى المساعدات الفردية، فقد كان للسيدة الحريري اهتماما خاصا برعاية مراكز المسنين والأيتام والمؤسسات الاجتماعية من معاقين ومتخلفين عقليا عن طريق تقديم المساعدات المادية والعينية، الى القيام بزيارات تفقدية دائمة لها.
وكان للسيدة الحريري لفتة كريمة تجاه المعوقين في لبنان بتبرعها بمبلغ تسعة ملايين دولار ونصف لاقامة مجمع مساحته 30 الف متر مربع في جنوبي بيروت وتجهيزه ليخدم حوالي الالف معاق من مختلف الحالات بدءا من التخلف العقلي والاعاقة الجسدية، والصمّ والبكم والمكفوفين، الى رعاية الأيتام.
وعهدت السيدة الحريري لمؤسسات الرعاية الاجتماعية وهي من كبريات المؤسسات في لبنان، ادارة وتشغيل هذا المجمع، نظرا لما تتمتع به هذه المؤسسات من خبرة طويلة فاقت الخمسة وسبعين عاما في مجال الخدمات الانسانية.
وإدراكا لأهمية المراحل التعليمية من ابتدائية ومتوسطة وثانوية في تنمية وتأسيس الطلبة واعدادهم اعدادا صحيحا لبلوغ المرحلة الجامعية، وتمكينهم من الالتحاق بأرقى الجامعات العربية والاجنبية، عمدت السيدة نازك الحريري الى إنشاء مدارس في كل من السعودية ولبنان، أبرزها: مدارس نجد الاهلية في الرياض، وثانوية الحريري الثانية وثانوية عبد القادر في بيروت.
ولم يغب عن بال السيدة الحريري العامل الثقافي واهميته في المجتمع عامة، وفي المجتمع اللبناني خاصة، لادراكها بأن لبيروت دورا ثقافيا يتوجب استعادته، فكان قرارها بانشاء جمعية مهرجانات بيروت.
وحددت السيدة الحريري اهداف هذه الجمعية بابراز وجه بيروت التاريخي والحضاري والثقافي، والعناية بالفنون المسرحية والموسيقية والغنائية، والاسهام في التنمية الثقافية والاجتماعية لمدينة بيروت.
وكانت باكورة الحفلات للسيدة فيروز ليل السابع عشر من ايلول 1994 بحضور 50 الف شخص جمعتهم في ساحة الشهداء، في بيروت للمرة الاولى منذ نشوب الحرب، كما ارادت السيدة الحريري دليلا على عودة اللحمة بين ابناء الوطن الواحد الذين فرقتهم الحرب والبغضاء دون ارادتهم، وجاءت بمثابة الاعلان عن قيامة بيروت وعودة الروح اليها.





