نجاة فخري مرسي
كثيرة هي الأقلام التي تكتب في الحملات الانتخابية عن اقتناع وعن غير اقتناع وكثيرة هي الأكف التي تصفق لمجرد التصفيق.
وكثيرة هي الشخصيات التي تأخذ الصور التذكارية مع "مالكولم فرايزر" ثم مع "بوب هوك" دون حرج، ثم تنتخب من تنتخب.
... أنا لا أحب أن أكون واحدة منها.. لمجرّد أن مستر بوب هوك قد أصبح رئيساً للوزراء وبإمكانه أن يحيي أو يميت.
جالت في خاطري كل هذه الأفكار قبل أن أحضر حفل الكوكتيل الذي أقامته بلدية ملبورن على شرف رئيس الوزراء، الأسبوع الماضي، بمناسبة الحملة الانتخابية، ودعتني اليه، من ضمن قائمة العاملين في الإعلام.
وتنازعتني عوامل كثيرة منها: واجبي كصحفية ومحبذة لحزب العمال. ومنها واجبي تجاه قوميتي ومواقف الرجل منها، ومنها أن من سمع تصريحات مستر بوب هوك الاسبوع الماضي لا يسعده أن يسمع رئيس وزرائنا اليوم وهو يصرّح عن شدة حرصه على لبنان.. لأن لبنان الذي يدعمه بوب هوك ويدعمه الغرب وتدعمه اسرائيل غير لبنان الذي نحلم به وطناً لجميع اللبنانيين.
وأخيراً قررت أن لا أصفق لبوب هوك، وأن لا أكتب حرفاً واحداً عن غير اقتناع.. لن يؤثر ذلك على شعبية حزب العمال.. أو يقلل من حجم الحملة الانتخابية التي ستصل مصاريفها الى خمسة وثلاثين مليون دولار "أدفع أنا وكل مواطن أسترالي كل 12 شهراً جزءاً من تكاليفها دون أن يستشيرنا أحد". لكنه سيقلل من إيماني بمبادئي وقوميتي وصدق مواقفي.
وسيقدر رئيس الوزراء صراحتي وحريتي التي أنا مدينة بها لديمقراطية الصحافة في لبنان.. والى أرض الحريات: أستراليا.
أرض الحريات
مسؤولية المرأة
نجاة فخري مرسي
بدأت المرأة الاسترالية القيام بدورها الطليعي في الامور السياسية والاجتماعية والانسانية. وبذلك تكون قد وسّعت قاعدة نشاطها من دائرة "تحرير المرأة" و "حقوق المرأة" الى المشاركة في المشاكل الانسانية والدولية العامة التي تخص الجنس البشري ككل.
وفي الاسبوع الماضي تظاهرت حوالي 500 سيدة أمام محطة "باين غاب" الاميركية للارسال اللاسلكي الذي يقوم بتوجيه جميع السفن الحربية التي تحمل قنابل واسلحة ذرية في المحيطات المحيطة باستراليا.. اعتقاداً منهن بأن هذه المحطة ستكون من الاهداف الهامة اذا قامت حرب ذرية وأن وجودها سيجرّ الويلات النووية على استراليا ومن فيها.
ثم قررت المتظاهرات الاعتصام لمدة اسبوعين أمام المحطة لجذب انتباه وسائل الاعلام والشعب الاسترالي ككل لمشاركتهن الرأي في خطورة وجود هذه المحطة الاميركية التي تجهل استراليا ما يدور في داخلها.
وقد وفرت الحكومة أعداداً كبيرة من قوى البوليس المحلي والفيدرالي أثناء المظاهرة والاعتصام لحفظ الامن وحماية المحطة.
أما المبادرة الثانية التي قامت بها المرأة الاسترالية في نفس الاسبوع كانت مظاهرة مكونة من سيدتين فقط دفعت كل منهما مبلغ 459 دولاراً لحضور محاضرة لهنري كيسنجر اثناء وجوده في ملبورن، وهما مسز موزان غور ومسز روز ايسون – من المعروف أن هنري كيسنجر الذي يزور استراليا لالقاء محاضرات عن فلسفة الاقتصاد السياسي بصفته وزير خارجية سابق ومستشار ريغان لشؤون اميركا الوسطى حالياً – وعند فتح باب الاسئلة وقفت مسز ايسون لتسأل مستر كيسنجر سؤالاً محرجاً عن تدخل الاستخبارات الاميركية في نيكاراغوا وصرفها لمبلغ 50 مليون دولار لتشجيع الارهاب في المنطقة، فحاول رئيس الجلسة ان لا يعطيها الحق في هذا السؤال لكنها أصرت على سماع جواب كيسنجر، فأجابها كيسنجر منكراً هذا الاتهام. أما مسز غور فكان سؤالها عن تدخل اميركا في كمبوتشيا، أما صوتها فضاع بين الضجيج الذي افتعله الحضور.
هذا ما حدث داخل القاعة في حين وقفت مجموعة كبيرة من النساء للتظاهر ضد وجود كيسنجر، يحملن يافطات كتب عليها عبارة "لتخرج اميركا".
هذه بوادر نهضة نسائية في استراليا ذات لون جديد تخدم السلام وتستنكر استعمال الارض الاسترالية لمصالح استراتيجية اجنبية تعرّضها وتعرّض اولادها لحرب إبادة لا دخل لها فيها.
وأنا إذ أدرج هذه التحركات النسائية لا للحصر ولا للعد وإنما على أمل أن أقدمها مثلاً لنساء الامة العربية التي يفني رجالها بعضهم بعضاً ويحرقون الاخضر واليابس ويضحون بالاطفال والشيوخ على مذابح التبعية والاطماع والاحقاد، وينقسمون الى فئات منها من يستقبل الاستعمار ويستعين "بتشريفه" لتصفية الحسابات القديمة... ومنهم من يستضيف أشباه الاستعمار باسم القومية والوطنية، ومنهم من يستعمل الدين لسنّ خناجر الموت وإشعال فتائل المتفجرات، والنساء يهربن بأطفالهن من ملجأ الى آخر لا حول لهن ولا قوة.
أين المرأة العربية؟ لم لا تقف وقفتها لتستصرخ ضمائر الرجال؟ ولتطالب بوقف النزيف؟ لإنقاذ الأوطان/ أين نساء لبنان؟ لم لا يتظاهرن ولا يعتصمن؟ ولا يخرجن من المخابئ والملاجئ والجحور ليثرن على اطنان القنابل، وأكوام البنادق والمتفجرات؟ ويرمينها في اليمّ، ويشعلن فيها النار؟ لتحرق البغضاء وتدمر الحقد وتطهر القلوب وتعيد للوطن المنكوب حياته وحيويته وطهارة أرضه، والى أطفاله الحياة الطبيعية والمستقبل الباسم.
الهرم الرابع
نجاة فخري مرسي
شكراً للتلفزيون الاثني الذي عرض لنا فيلماً تسجيلياً عن حياة كوكب الشرق أم كلثوم وأطلق عليه إسم "الهرم الرابع".
وشكراً للمنتج الفرنسي الذي أنتج هذا الفيلم التسجيلي عن معجزة من معجزات الغناء العربي، التي سبقت، كما قال، "بياف" و "ماريا كالاس".
قضينا ساعة مع عرض تحليلي لقصة حياة الطفلة المعجزة التي منحها الله صوتاً له طبقات لا مثيل لها طبقاً للتحليل العلمي للأصوات.
عرض خلالها رحلتها السريعة الى القمة لإصرارها على مستوى كلمات أغانيها فقفزت بالأغنية العربية من المبتذلة الى الأغنية العاطفية الراقية التي يمكن اعتبارها أغنية كلاسيكية.
كما عرض أم كلثوم الإنسانة التي كانت تساعد أهل قريتها الفقراء على تحصيل العلم في مصر والخارج.. وعرّف على أم كلثوم منشدة الأغاني الحماسية التي ألهبت حماس الشعب والجنود في معاركهم المصيرية وأم كلثوم الوطنية التي بكت ومرّت بأزمة نفسية حادّة عندما سمعت أخبار نكسة 1967، وتحولت بعدها لفترة تردد الأغاني الدينية وهي تتألم بسبب إلقاء اللوم على صوتها ووصفه بأفيون الشعب الشعب العربي وأنه كان من أسباب النكسة.
ثم استعادت أم كلثوم عزيمتها وارتفعت راياتها، وبدأ صوتها يجمع الدول العربية مرة أخرى حول قيادة من آمنت به، ومثلت أم كلثوم الرمز العربي الوحيد الذي اجتمعت حوله عواطف الشعوب العربية بأكملها، بعد عبد الناصر الذي قطعت بسببه رحلتها الى موسكو وألغت ارتباطاتها للقيام بواجبها في توديع بطل القومية العربية يوم وفاته.
كنا نود أن نوجه شكرنا الى مصر أو أية دولة عربية لإخراج مثل هذا الفيلم، ولكن حتى أم كلثوم معبودة الجماهير لم تخرج البلاد العربية فيلماً واحداً عن قصة حياتها لتخليدها، على الرغم من شرائهم لمليون ونصف نسخة من أغانيها سنوياً.
لقد تبجح مناحيم بيغن وادعى في أول زيارة للقاهرة قائلاً بأنه في منتهى السعادة بعودته الى مصر ليتمتع بمشاهدة الأهرامات، التي بناها أجداده، وكانت كذبة صهيونية محترفة وبعيدة المرمى.
ويظهر أن الهرم الرابع "أم كلثوم" قد سبقنا في بنائه مخرج فرنسي، فشكراً له، على قيامه بواجب كان على الشعب أن لا يهمله.
الخطأ الفادح
من أهم الأخطاء الاجتماعية الفادحة، أن يسيء الانسان استعمال حريته. ومن الأخطاء الأخلاقية التي لا تغتفر هي أن يعضّ الإنسان اليد التي تطعمه.
إذا كانت ظروف بلادنا وظروف حياتنا قد حكمت أن يغيّر بعضنا وطنه، وأن يحضر ليعيش في بلد تختلف قوانينه عن قوانين بلاده بحسنات ورعاية لم يتعود عليها، فمن البديهي أن يتمتع بهذه الحسنات وأن يقدّر هذه الرعاية ويُظهر امتنانه، ويحافظ على نعمته الجديدة.
في الفترة الأخيرة، هبّت عاصفة إعلامية تتحدث عن حوادث النصب التي كلفت الدولة وشركات التأمين ملايين الدولارات.. بعد أن اكتشفت الجهات المختصة أن بعض العاطلين بالوراثة (من فئات اثنية مختلفة من ضمنها فئة عربية) قد استعملت ذكاءها بطرق ملتوية ومخجلة، واستغلت كرم الدولة الاسترالية ومصادر الرعاية الاجتماعية أسوأ استغلال، وأصبحت تحصل على أكثر معونة اجتماعية في آن واحد (هذا بالإضافة الى عمليات النصب على شركات التأمين).
كنا نتمنى أن تقدّر هذه الفئات – التي حُرمت في بلادها من نعمتي الحرية والرعاية الاجتماعية، أن تقدّر ما تقدّمه لها استراليا، وأن تحترم نعمتها وتحافظ عليها. ولكن على العكس قد عبثت بها وأساءت الى سمعتها وسمعة جاليتها، بل وسمعة بلادها أيضاً.. وأخذت أكثر من حقها على حساب غيرها، دون وازع من ضمير ولا رادع من أخلاق.
وأخيراً وقعت الواقعة وتمّ اكتشاف بعض عمليات النصب هذه من قبل الجهات المسؤولة، وسينال النصابين الجزاء.
وأما الجزاء فهو، أولاً السمعة السيئة ثم إعادة دفع المبالغ المنهوبة على مدى أشهر أو سنين بأثر رجعي (أي من أول دفعة حتى تاريخ اكتشافها) أو السجن.
ونأسف شديد الأسف كجالية محترمة كانت لها سمعتها الطيبة منذ تاريخ الهجرة الى استراليا، أن تعرّضها فئة غشيمة الى مثل هذه المواقف المهينة. وألف رحمة على روح الذي قال: "إن أنت أكرمت الكريم ملكته" وعفى الله عمّا فات، على أمل أن تكون حملة التطهير والتشهير هذه من الدروس المفيدة للمستقبل.
أنقذوها يا سادة
نجاة فخري مرسي
أكتب هذه الكلمة، وقلبي يرتعش من الخوف، مع أنني أحمد الله على أن "الشهامة العربية" قد منحتني بعض "الحصانة النسائية" التي لا أحب أن أخسرها بجرة قلم.
لكنني أرى أن من واجبي وواجب كل من يتعامل مع "صاحبة الجلالة" ألا يقف مكتوف الأيدي، أمام ما نقرأه اليوم وكل يوم على صفحات صحفنا العربية من قدح وذمّ وألفاظ نابية، يوجهها القرّاء لبعضهم البعض.
ليس هذا يا سادة ما نريد أن نقرأه في صحفنا وليس هذا ما نريد أن ننشره في المجتمع المهجري كشعب عُرفت صحافته في لبنان، بالصحافة الحرة،.. وليس هذا ما يدل على أننا في بلد ديمقراطي كأستراليا يقدّس حرّية الكلمة وحرّية الفرد، ويتقبل رئيسها النقد الإعلامي بابتسامة وسعة صدر، يدلان على الديمقراطية الصحيحة (التي نرجو أن نتعلمها).
لكنه إن دلّ على شيء فإنما يدل وللأسف الشديد، على أننا نسيء استعمال الحرية والديمقراطية، وعلى أننا لا شعورياً يتأثر سلوكنا بما يجري على أرضنا اليوم، حيث تعاني صحافة بيروت ظروف تسلط على الحريات.
ولكي نخرج من تأثيرات هذه الظروف، ونعود الى طبيعتنا الأصلية.. لابدّ لنا من وضع النقاط على الحروف ومن مناقشة أنفسنا والتوصل الى معرفة ما لنا وما علينا.
وهذا يقتضي تقبّل الصراحة، والاعتراف بالآتي:
أولاً: ان من حق الكاتب، أينما كان، ومهما كان أن ينتقد، بشرط أن يكون النقد بناء ومفيداً.. ومن حقه أن يتطفل على اللغة وأن يُغضب "سيبويه" شرط أن تخضع لغته لأبسط قواعد وأصول اللياقة.. ومن حقه أن يستعمل القلم، شرط أن يحترم القلم الذي يستعمله، والصفحات التي يكتب عليها، في الصحيفة التي فسحت له مجالاتها وصفحاتها. ومن حقه أن ينتقد كاتباً آخر، شرط أن ينحصر نقده بعمل الكاتب الآخر، بعيداً عن شخصه واسمه وطائفته وجنسيته.. ومن حق أي قارئ أن يعبّر عن رأيه وأن يسجّل أفكاره على صفحات الجرائد، ولكن بما يعود بالفائدة على الصحيفة، وعلى المجتمع، وعلى اللغة والأدب، وعلى تنمية المعارف والمشاعر الإنسانيه والقومية، والحفاظ عليها.
والكاتب الأديب.. والأديب المؤدب.. والصحافة المحترمة والقارئ الواعي.. مدعوون جميعاً الى عدم السماح لهؤلاء، بالتردي بلغة الصحافة الى مثل هذه المستويات المرفوضة، لأننا نحتاج لتثقيف أولادنا.. نحتاجها لتنمية مداركنا السياسية والاجتماعية والأدبية.. نحتاجها لمعرفة أخبار بلادنا.. نحتاجها لمتابعة أدبنا ولغتنا، نحتاجها أكثر ما نحتاجها لربطنا بعاداتنا وتقاليدنا والحفاظ على تراثنا.
نريدها صحافة مهجرية على مستوى الصحافة المهجرية التي ساعدت على تنمية مواهب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وغيرهم من أدباء وشعراء يعتز بهم لبنان.
نرفضها مسرحاً للمزايدات والمهاترات واستعمال لغة الشوارع والمعارك الكلامية للحط من كرامة الكلمة وكرامة اللغة وكرامة القارئ وبالتالي كرامة الانسان.
نطالبها ونطالب الأخوة رؤساء تحريرها بأن يكونوا الحَكَم ويستعملوا حقهم في فرز المواضيع المفيدة ورفض المبتذل الممجوج وأن لا يعتبروا أن مجرّد توقيع الكاتب تحت الكلام المسيء للآخرين وللمصلحة العامة يعفيهم من مسؤولياتهم أمام رسالتهم وأمام مجتمعهم وأمام "صاحبة الجلالة".
وصاحبة الجلالة تغرق وتحتضر، فأنقذوها.
لا لإحضار المسنين
نجاة فخري مرسي
في هذه الزاوية خبر عن مطالبة رئيس وزراء فكتوريا للحكومة الفيدرالية بزيادة الهجرة، بسبب تدني عدد السكان وحاجة الولاية الى بعض الخبراء.
وأن تكون هذه الزيادة على أساس جمع الشمل وتوطين اللاجئين وإحضار ذوي الخبرات المطلوبة. ونحن إذ ندعو الله أن تستجيب الحكومة الفيدرالية لمطلب رئيس وزراء الولاية الخضراء، نغتنم هذه الفرصة لنبحث معاً مشكلة تهمنا جميعاً، قد يعود بحثها بالفائدة علينا جميعاً.
محبة الوالدين طبيعة إنسانية، ورغبة المهاجر في إحضار والديه للعيش معه أمر طبيعي.
ولكن ما يجب بحثه الآن هو الطريقة، لأننا إن اختلفنا على الشكل لا يمكن أن نختلف على هذا المبدأ.
لنبدأ إذن من حيث يشعر المهاجر بعاطفة ضرورة إحضار والديه الى استراليا حيث يذهب ليقدّم طلب هجرة لوالديه. وحيث توافق له الحكومة على الطلب دون تحمّل مسؤولية إعالتهم وعليه إذا كان جادّاً في مطلبه أن يوقع أمام الحكومة على كفالة تامة وتعهد تام. وبوازع من مشاعر الابن البار الذي يريد أن يضحي بالغالي والرخيص في سبيل إحضار أمه وأبيه. يوقع على الكفالة ويستلم الموافقه ويحضر الوالدين وتفرح الأسرة ويجتمع شملها.
ولكن ما نراه كل يوم في جاليتنا والجاليات الأخرى من ردود فعل لهذه المغامرة مثل عزلة الأهل وشعورهم بالوحدة بسبب غياب الأبناء طول النهار للعمل وجهلهم للغة وعدم وجود الأصدقاء. ومع الوقت يبدأ الأهل بالتذمر والشعور بالضياع وتبدأ تعاستهم تنعكس على جميع أفراد الأسرة فتسبب المشاكل.
وللخروج من هذه التجربة ومن هذا المأزق يبدأ البحث عن حلول. وهنا تفرض بعض الحلول نفسها، بسبب عدم وجود البديل، وبسبب استحالة العودة في بعض الحالات.. ومن الحلول المكررة إيجاد مسكن منفرد للأهل.
فيكون معنى ذلك أن الابن فتح على نفسه أبواب ميزانية صرف جديدة قد ترهق ميزانية أسرته من جهة وتشعر الآباء بأنهم غير مرغوب بوجودهم من جهة أخرى فتتشعب المشكلة وتكبر. ويبدأ الابن بالبحث عن وسيلة لاقناع الحكومة بإعالة والديه. ويبدأ الوالدين بالشعور بأن ابنهم قد جنى عليهم بإحضاره لهم وتخليه عنهم وما إلى ذلك.
فعلى هذا الأساس نرى، وبالخطوط العريضة، أنه من الافضل ألف مرة أن نبني موضوع حبنا لآبائنا على أسس عاطفية وعقلانية.
ومن أراد منا أن يبرّ بوالديه، أن يدعوهما الى زيارته ويترك لهما الخيار في قبول أو رفض الحضور للعيش في استراليا.
وإن أعجبتهم وتقبلوها فأهلاً ومرحباً، اللهم على أسس مادية مدروسة لها فيها ما يجلب الضرر للطرفين.
وإن رفضوها ونفروا منها، فليس أبسط من أن يعودوا الى أرضهم وديارهم وأصدقائهم وبيئتهم الطبيعية مع تخصيص مساعدة مالية اختيارية من الابن تساعدهم على العيش المريح في شيخوختهم، وتشعر الابن في نفس الوقت بأنه قادر على مساعدة أهله وكسب رضاهم ودعاهم.
أما بالنسبة للأهل الميسورين فبإمكانهم إن رفضوا العيش في استراليا أن يحضروا الى زيارة أولادهم بين الحين والحين، أو يذهب الأولاد الى زيارتهم كلما استطاعوا الى ذلك سبيلا.
وأنا لا أتكلم عن المادة لأنها تستطيع أن تحل محل الواطف الأبوية والبنوية وإنما لأنها تسبب المشاكل وكثيراً ما تطغي على نبل العلاقات بين الأباء والأبناء، لأن ما لمسناه، بالتجربة قد أساء لهذه العلاقات في بعض الحالات وقد سبب التعاسة للآباء والشعور بالغربة والضياع، كما قلنا، وطبعاً هذا ما لم يقصده الأبناء عندما أقدموا على مشروع إحضار ذويهم الى استراليا. ولتجنب الوقوع في هذا الخطأ الفادح، لا بد من أخذ العبرة من أخطاء الغير وتجارب الآخرين والله المعين.
في الذكرى السنوية للصديق الراحل حسّان السعّافين ابو نهاد
نجاة فخري مرسي
كلمة من القلب
انتقل الى رحمته تعالى في الخامس من ايلول 2007 صديق عزيز وأخ كان صديقاً للأدب العربي وللكتاب والقلم والكلمة، بعد معاناة بعثت على الأسف والأسى.
أيها الأخ الصديق حسّان السعّافين، بعد أن انفصلت روحك الودودة عن جسدك المتألم، رأينا أنا وزوجتى أن نرسل لك هذه الكلمة الصادرة من القلب، إعترافاً منا وتقديراً لصداقتك الدائمة والمستمرة لإنتاجنا الفكري وحضورك لندواتنا الأدبية، وحفلات توقيع كتبنا، وتقديمها للحضور باسلوبك الأدبي الراقي النظيف، وقد خسرناك وكانت الخسارة كبيرة.
أرقد الى جوار ربك يا أبا نهاد هانئاً مطمئناً، واعلم أننا سنذكرك كلما استمرت الحياة، ونصلي أن يكون مقامك في الجنة. لك الرحمة ولأسرتك وآلك ولأصدقائك ولنا من بعدك جميل العزاء. سنفتقدك في المناسبات الأدبية في ملبورن، وأنت المربّي، وأنت الضليع في لغتك العربية والتي كان يفوح من كل كلمة تكتبها، وفي كل مناسبة تحضرها عبير الصدق والإلتزام والمواطنية.
لنا ولأسرتك وأصدقائك العزاء.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الآسفان: دكتور أنيس وزوجته
نجاة فخري مرسي





