عتاب

نجاة فخري مرسي

تقول لي:
أنت قاسية
أقول لك:
أن قسوتك هي السببُ ...
يُلوّح كلانا بالقسوة
على الرغم مما نُحسّهُ
من شوق وحنين ...
سامحك الله
يا أغلى الناس ...!

من وحي الإستجمام

عجباً لذلك الشاطئ الذهبي
توشوشك مياهُهُ ...
تشدّك آفاقه ...
تستفزّ أفكارك وكأنها تحدّثك عن
حكايات عشق أزلية ...
تذهب بك بعيداً
في رحلة بحث عن المجهول ...!

***
عجباً لتلك الأمواج
يتكسر غضبها على صخورك ورمالك
ثم تنحسر رقيقة على قدميك
لتعود مزمجرة من جديد ...
ما سرّها ...؟!
وماذا وراؤها ...؟!


من ديوان القريب البعيد

عندما أحببتُ

نجاة فخري مرسي

وجدتني ...
في صراع مع قلبي
الذي حسبته
شابَ وزهدَ وتباعدت نبضاته ...
في صراع مع أفكاري
التي حسبتها
عاجزة عن التحليق في عالم الخيال واللاموضوعية ...
في صراع مع واقعيتي
التي عهدتها لا تعترفُ
بشفافية الخيال ...
في صراع مع الحب
الذي اعتقدته نزوة سرّية
لغرائز الجسد الحياتية ...
وعندما أحببت ...
وجدت أن المحبة أجمل من زقزقة العصافير
وأعذبُ من أنسام الربيع ...
وأن القلب قد تحوّل إلى نبضات سحريّة
لا تهدأ ...
وأن الأفكار قد أصبحت ذات أجنحة محلقة
في عالم جديد ...
وأن الواقعية قد تبخّرت تحت ضغط
اللاواقعية ...
وجدت أن المحبة، هبة إلهية ...
تراويح صباح ...
أنشودة عُمر ...
ينابيع مشاعر فيروزية ...
أنفاسه، تبعثُ الحياة في الجسد المحتضر ...
قربُهُ الدفءُ في ليالي الشتاء ...
نفحاته ...
همساته ... الجوابُ الأخيرُ
للعلمانية
والواقعية
والأفلاطونية ...


من ديوان القريب البعيد

لسعة الألم

نجاة فخري مرسي

إنّ أجمل ما في الحياة يا حبيبي !
هو أنها حُلم ويقظة.
حُلم
عندما نريد أن نحلم
ويقظة
عندما توقظنا لسعة الألم ... !

***

أحلام الربيع
"من أمّ إلى إبنتها الحسناء"

يا حوريتي الحسناء !
يا أحلى من الشهد ... !
وأغلى من التبر ...
وأعزّ من الروح.
يا سعادتي النادرة !
يا من أعاد حُبُك إلى القلب نبضاته
وإلى الحياة رونقها ...
وإلى النفس ثقتها بخالقها ...
وإلى الأفكار قيمتها وحيويتها ...
لولا حُبُك لما تفتحت البراعم
ولا اخضرّت المروج،
ولا تجددت أزهار الأمل ...
وأحلام الربيع
أنت بديل الشباب ورونق الحياة ...
أنت اليد التي امتدت
لتوزّع النُور وتنشُر القناعة والرضا ...
والشمعة التي تضيء الظلام ...
دعيني أحدّثك يا غاليتي !
عن جُمود المشاعر ...
ثم عن السعادة التي تدفقت،
وعن مناهل الأمل وينابيع الغُبطة ...
دعيني أحدّثك
كيف أصبح للحياة معنى
وللأفكار مغزى
وللقلب هوية
وكيف أصبحت يا بنفسجتي
المعنى ... والمغزى ... والهوية ...


من ديوان القريب البعيد

القريب البعيد

نجاة فخري مرسي

أبداً أنت هنا
فوق متاهات حياتي
فوق إصراري على البعد ...
وفوق الذكريات ...!

في دمي ....
في عمق أعماقي ...
بأطياف سُباتي

وطني ...
يا أجمل الأوطان والبُلدان ...!
أنت ذاتي ...
يا سماء أسكرت بالعُطر ذاتي ...!

يا خيالي البكر ...!
يا واحة الأزهار! والأطيار!
يا حُلوُ النسمات!

يا ربيع النفس والوجدان!
يا شمسي!
ويا أحلى صفاتي!

سوف أشدو فيك ما أحيا
وأفديك بروحي ...
وعيوني ...
وحياتي ...


من ديوان القريب البعيد

الكتاب الرابع عشر للأديبة نجاة فخري مرسي: جهد كتابيٌ دؤوب وطموحات ثرة متألقة



خالد الحلِّي
ملبورن
في حفل توقيع الجزء الثاني من كتابها "المرأة في ذاكرة الزمن" عام 2004، قالت الأديبة والصحفية نجاة فخري مرسي، إنه قد يكون كتابها الأخير ، بناءً ما صورته لها نفسها عن أحكام الشيخوخة، ولكنها رأت فيما بعد أنها لا تستطيع أن تفي بهذا الوعد، بسبب ما رأته أمامها من مجوعة مقالات كتبتها ونشرتها على مدى ثلاث سنوات متتالية في مجلة "ليلى" الإلكترونية لصاحبها ورئيس تحريرها الشاعر شربل بعيني سدني-أستراليا، وهي مجلة لها قراء وكتاب في جميع أنحاء العالم.
هذا ما تخبرنا به هذه المبدعة الوفية للكتابة كفن ورسالة ووسيلة مثلى للتعبير، في تمهيدها لكتابها "كتابات على مرآة الزمن" الذي يعد الكتاب الرابع عشر لها. وقد أطل علينا هذا الكتاب بـ 316 صفحة من الحجم الكبير، وذلك بطباعة أنيقة وإخراج جميل. وقد ضم الكتاب مقالات تشير المؤلفة إلى أنها كانت تواكب فيها الأحداث السياسية والاجتماعية، وإلى أنها كانت تنشر بمعدل مقال كل أسبوع، وهي تنطوي على كتابات تعبر عما تجود به النفس وما يجود به الزمن من أحداث ومشاعر تستحق التسجيل على مراياه وانعكاساتها بحلوها ومرها.
وتوضح المؤلفة أن المقالات التي يضمها هذ الكتاب، هي مختارات مما نشرته في مجلة "ليلى" الإكترونية بين عامي 2006 و2008، ولكنها تعترف من جانب آخر بأن بعضها قد نُشِر من قبل، ولكنها ارتأت أعادة نشرها نظراً لأهميتها وفق ما أخبرها به أصدقاء كثيرون، أو لأنها أجرت بعض التعديلات عليها، وهكذا تكون تواريخ النشر خلال السنوات الثلاث المشار إليها، ترتبط بتاريخ نشرها في موقع مجلة "ليلى" فقط.
بعد تمهيد المؤلفة تطالعنا مقدمة للكتاب بخمس صفحات بقلم كاتب هذه السطور. وبالانتقال إلى محتويات الكتاب نجد أنه تضمن 114 مادة، تناولت الكثير من الهموم والتطلعات والمشاغل العربية، والعديد من المعالجات والتأملات في قضايا وظواهر عالمية، والمتنوع من طرح ومناقشة بعض قضايا وهموم وإشكاليت الجالية العربية في أستراليا. كما تضمن الكتاب مجموعة من القصائد والأشعار والتأملات التي تفيض بالرقة والجمال ورقة الاحساس.
وتضمن الكتاب قسماً خاصاً بعنوان "شخصيات نسائية"، تقديراً لعطاءات وتضحيات لنخبة من النساء اللواتي تركن بصماتهن واضحة في مسار حياتنا وتاريخنا كثيرة. وقد ارتأت المؤلفة أن تقدم في هذا الكتاب بعض النماذج التي ربما لاتعرف عنها ما يكفي الأجيال الجديدة، وهي أسماء جديرة بالعرفان والتقدير. وكانت المؤلفة قد تطرقت لهن في الجزء الثاني من كتابها"المرأة في ذاركرة الزمن"، ولكنها تطرقت إليهن في كتابها الجديد بتركيز ووفق صياغة أخرى.
وفي هذا الإطار حدثتنا بشكل مشوق وجميل عن نخبة رائعة من النساء العربيات تحت العناوين التالية : الدكتورة نور سلمان وعطاؤها الفكري والإبداعي – مي زيادة رائدة فذة خلدها التاريخ – أنس باز طبيبة رائدة بامتياز – سلمى الحفار الزبري ونتاجها الأدبي بالعربية والفرنسية – فاطمة اليوسف ومجلتها المصرية الرائدة "روز اليوسف" – سلوى نصار أول عالمة في مجال تخصصها – لبنانية حاكمة لولاية أسترالية – هيلين توماس لبنانية ترأس جمعية صحافيي البيت الأبيض في أمريكا – سيزانبراوي رائدة لا تنسى.
وعلى مدى أربع حلقات تحت عنوان "بيروت أيام زمان" تناولت عبر لقاء مع الإذاعية بديعة فتح جنبلاط بيروت الماضي والحاضر وتطلعات المستقبل. وبهذا الصدد تقول : " .. بينما كنت أبحث في أرشيفي المليء بالذكريات والأفكار السياسية للمقارنة بين حاضرنا وماضينا، وجدت فيما وجدت برنامج الصديقة والزميلة "أيام زمان" الذي يعود تاريخه إلى أواخرن القرن العشرين. وقد رأيت أن أشارك القاريء عبر حلقات في مقارنة بين بيروت اليوم و "بيروت أيام زمان"، عبر إضاءات سريعة عن الأحداث الكثيرة التي عانت منها على مدى تاريخها الطويل، الذي يصل وفق تقديرات الحفريات الجديدة إلى ستة آلاف سنة، وعن الغزاة وعن الحروب، والكوارث الطبيعية، وبالتالي عن ظلم أهلها لها بحروبهم البغيضة، التي شوهت جمالها ودمرت عمرانها ".
وجاءت ضمن محتويات الكتاب لقاءات صحفية وأدبية مهمة، حملت العناوين التالية:
· مع الدكتورطالب عمران : هاجس دائمٌ للمعرفة والوعي.
· مع الأديبة ناديا الجردي نويهض : نضال مستمر وإسهام فاعل للمرأة.
· الصحافية والروائية ليلى عسيران : مواقف رائعة و10 روايات.
· مع الدكتورة نوال السعداوي : في الإبداع والتمرد ..!
· مع الدكتورة سعاد المبارك الصباح : امرأة عربية تريد رد الاعتبار لعقل الأنثى.
· مع الأديبة أميلي نصر الله : تكتب للجميع وتعي هموم الاغتراب.
إن كتاب "كتابات على مرآة الزمن" للأديبة والصحفية نجاة فخري مرسي، هو أشبه بحديقة غناء تحفل بالجميل من الورود والثمار، وهو كتاب لا يمكن أن يفيه العرض حقه، فمعذرة، وتحية إلى هذه الأديبة والصحافية الرائدة في دنيا الاغتراب العربي في أستراليا، ولا بد لنا هنا من أن نشكر أيضاً زوجها الفاضل الأخ الدكتور النبيل أنيس مرسي على دعمه الكامل لها في مجال الكتابة، وندعو إلى الله أن يمنَّ عليهما بوافر الصحة والعافية ليواصلا عطاءهما الكتابي الثر المتدفق.

التعتيم الغربي على تراثنا - الجزء الثاني

نجاة فخري مرسي

في القرن التاسع عشر، مثلاً، أفردت دائرة المعارف البريطانية للراهبة الانجلوسكسونية "هورسيفيا" ضعف المساحة التي أفردتها لعبد الرحمن الثالث، الذي أصبحت قرطبة في ظله أكبر المدن الثقافية في أوروبا (وقد وصفتها الراهبة هورسيفيا نفسها بأنها جوهرة العالم).
كما أن تاريخ العصور الوسطى لكامبردج الذي ضمّ خمسة آلاف صفحة لم يعط للحضارة العربية في اسبانيا سوى خمسين صفحة.
كما أن المؤلف الأمريكي"جايمس هارفي روبنسون" صاحب الكتاب الدراسي النمطي لعدة عقود، والذي تناول العصور الوسطى والحديثة، قد خصص عشر صفحات فقط للنهضة الاسلامية. ثم يستطرد قائلاً:
"وهذا قد أنتج أيضاً "سير كنت كلارك" هيئة الاذاعة البريطانية في عام 1969 سلسلة تلفزيونية كاملة، وكتاباً عن "الحضارة" من دون أن يلاحظ أن هنالك شيئاً من الحضارة فيما وراء الغرب.
وحتى في وقتنا هذا فإن قلة فقط من الباحثين والمعلقين الغربيين تعترف بالدور الثقافي العربي والاسلامي آنف الذكر.
وفي باب "الانتحال عن طريق الترجمة" في نفس الكتاب "الغرب والاسلام" نجد ملاحظة لأكاديمي هولندي تقول: "لاشك في أن حقيقة الاسلام العربي والاسلامي في التقدم الفلسفي والعلمي العربي، كان يجب ترجمته قبل أن يصبح استخدامه ممكناً، لأن عملية إخفاء المصدر، وترجمة أسماء العلماء العرب الكبار بشيء من التحريف الى اللغات اللاتينية والأوروبية المستفيدة منها، قد سهلت هذا الإنتحال الثقافي الهائل، لأن تعلم اللغة العربية في ذاتها كان مكروهاً، في مختلف أنحاء الغرب وكانوا يقولون: إنها ليست جديرة بعناء التعرّض لمثل هذا الجهد والتعب لمجرّد الاطلاع على احلام وأوهام المهووسين" (وهو يعني العباقرة العرب والاسلام).
إذاً فإننا نرى أن الزمن يسير بدون توقف، وأن الحضارات تستمر وتتفاعل مع سابقاتها في مجالات العلم والأدب والفلسفة، وباعتراف الحاضر بالماضي، تأكيد على أهمية التفاعل الحضاري والعلمي عند الشعوب.
بهذه الإمكانات المحدودة، والتعتيم المذكور قررت أن أقوم بإعداد كتاب جامع باللغتين العربية والانجليزية يحتوي على معلومات كافية عن العبقريات العربية/الاسلامية، وايضاً الغربية، يوفرها للقارئ العربي المقيم، كما للمغترب في البلاد الناطقة باللغة الانجليزية، بخاصة لأجيالنا الجديدة التي ولدت في المغتربات وفقدت لغتها الأم، فأكون بذلك قد قدمت للمجتمع فكرة عن تراثنا، وعن حضارتنا التي تفاعلت مع سابقاتها، ومعاصراتها من الحضارات، والتي مهدت السبل للاحقاتها، فكانت بمثابة الأسس والقواعد، وهي تحاول النهوض في أوروبة وغيرها.
اخترت أن يكون إسم الكتاب: "عباقرة من التاريخ" وأن تكون أبوابه خمسة:
1- أقدم العباقرة (العدد ستة)
2- عباقرة من الشرق (العدد عشرون)
3- عبقريات من الشرق مختصرة (العدد 14)
4- عباقرة من الغرب (العدد 52)
5- عبقريات من الغرب مختصرة (العدد أربعة)
فبلغ عدد صفحاته 224 صفحة.
وعندما بدأت أجول في بطون الكتب، ودوائر المعارف بحثاً عن المراجع
الموثقة بدأت أكتشف مشكلة التعتيم، فقررت أن نسافر زوجي وأنا الى بلادنا العربية لأستعين بمكتبات الجامعات فيها لاستكمال ما ينقصني من معلومات عن العباقرة العرب/الاسلام خصوصاً، والقرار أن يكون باللغتين العربية والانجليزية، كما ذكرت،أنا أعدّ العربية وزوجي يعدّ الانجليزية لكل شخصية.
واكتمل الكتاب.. وطبع الكتاب في لبنان.. وكلف ما كلف من جهد ومال. فحملناه وعدنا الى استراليا بحوالي ألف نسخة، وعندي شعور بالانتصار على المصاعب كالذي بنى "القلعة" وبانتظار أن تتبناه وزارة التربية ليدرّس في أحد الفصول المدرسية.. وبأن كل قارئ عربي يدين هذا التعتيم على تراثنا سيسعده أن يقرأ هذا التوضيح، وهذه الأسماء التي نعتز بذكرها، وستسعده هذه الأضواء.. وبأن ندوات تراثية ستعقد لمناقشة أمر هذا التعتيم، وعمل شيء أي شيء لإنقاذ الموقف وبلادنا مليئة وزاخرة بالطاقات الاكاديمية، وأن، وأن، وأو، وأو يتهافتون على اقتنائه في مكتباتهم لتقرأه أجيالهم، وتعرف شيئاً عن تراثها المستهدف.
ولكن ما حصل، جعلني أستنتج عن يقين أن ما تعرّض له تراثنا من تعتيم وانتحال وتحوير كان وما زال بسبب إهمالنا، ولم يبق لنا في الاعلام الغربي سوى صفة "الارهاب".
أما عظمة قانون حمورابي.. وطب ابن سينا.. وأبو بكر الرازي.. وسقراط وابو قراط.. ومقدمة ابن خلدون.. وافلاطون وارستتطالس.. وابن الهيثم.. والبيروني.. وأبو العلاء المعري.. وابن باجه.. وابن رشد.. وابن الخازن.. وابن النفيس.. والطبري.. والاشعري.. وابن جابر.. وابن النديم.. والأصفهاني، وابن الاثير.. والانطالكي.. فقد طواهم التاريخ أو كاد، ولا ذكر لهم في مدارسنا أو في مجالسنا..
سامحنا الله.

ملبورن – استراليا في اوائل عام 2009

الغرب وعمليات التعتيم على تراثنا العربي والاسلامي

نجاة فخري مرسي

في كل عمل تسجيلي يحتاج الكاتب أو الباحث الى المراجع الموثقة في دوائر المعارف، أو كتب التاريخ، أو دائرة المعارف المحلية والعالمية وعلى سبيل المثال عندما قررت عام 1989، أن أسجل تاريخ الهجرة العربية الى استراليا في كتاب، لم أجد أمامي أية معلومات مسجلة أو موثقة في استراليا أستعين بها في هذا الموضوع، فكان عليّ أن أعتمد مكرهة على ما تتناقله الألسن في مجالس المغتربين من أوائل المهاجرين.
كذلك وجدت وأنا أعمل في الصحافة المهجرية العربية أنني كلما أردت أن أكتب عن شخصية عربية أو اسلامية ذات شأن تاريخي في الأبواب الصحفية التي كنت أحررها مثل باب "صندوق المعرفة" في جريدة "النهار" المهجرية التي أراسلها، أو باب "عباقرة من التاريخ" في جريدة "البيرق" اللبنانية المهجرية أيضاً، كانت تواجهني نفس الصعوبات في المراجع الغربية، طبعاً بعكس الشخصيات الغربية التي كانت مراجعها متوفرة تماماً، مما جعلني أعتقد أن هنالك تعتيماً على تراثنا العربي والاسلامي في تلك المراجع، هذا الى جانب تحريف بعض الأسماء لبعض العلماء العرب والاسلام، فكأن يصبح إسم إبن سينا.. Avicenna وابن رشد.. Averroes واسم ابن الهيثم.. Al-Hazen وهلم جراً.
كذلك تجد أن طريقة توزيع المعلومات عن الشخصيات العربية في دائرة المعارف البريطانية، وكوليرز Colliers الامريكية تأتي على شكل أسطر معدودة تحت كل تخصّص في مجلدات مختلفة، يصعب على الباحث، أو المنقب تتبعها، أو الوصول اليها في الوقت المتاح – خاصة إذا علمنا أن لكل عالم من العلماء العرب تخصصات عديدة، مثل الطب والفلك والهندسة والرياضيات والفلسفة، في نفس الوقت.
ولكي نبرهن عن نظرية التعتيم هذه دعونا نستشهد بأقوال بعض المستشرقين من أهل الغرب. قال الدكتور "تشيلدز" في كتابه "الغرب والاسلام" صفحة 149، ما معناه أن كل الثقافات التي استغرق اتصالها بغيرها من الثقافات مدى "زمنياً" محدوداً نسبياً، تتعمد جهلها بتلك الثقافات. بيد أن قصر المدة في العلاقة الغربية/الاسلامية، لم يشكل سبباً كافياً لذلك، مع أنه لم تكن للغرب علاقة طويلة ومستمرة في الواقع، بغيرهم من الثقافات الأخرى في العالم، كما كانت علاقته في الاسلام والعالم العربي، إذ لم تكن هذه العلاقة خارجية فحسب..
وبالرغم من أن المؤسسة التعليمية في الغرب عمدت الى عدم تبصير أجيال من الاطفال بالاسلام، فالحقيقة الثابتة هي أن المعرفة العربية/الاسلامية كانت أساساً لنهضة الحضارة الغربية نفسها.
كذلك لا بأس من أن نستشهد بقول الدكتور "د. ج. جوري" في الكتابة ذاتها، أو في الكتاب ذاته تحت عنوان "فقدان الذاكرة الطويل الأجل"، حيث يقول:
"من الواضح أن العصور الوسطى لم تكن مظلمة حقاً، ومجرد أن إنجازاتها العظيمة قد حققها الشرقيون، لم يكن عذراً كافياً للانتقاص من قيمتها. إذا أن الحكم غير المتحيّز الذي يقضي به التاريخ، هو أنه منذ النصف الثاني من القرن الثامن، الى القرن الثاني عشر كانت اللغة العربية لغة العلم للجنس البشري.
خلاصة القول أنه في كل علم أساسي، أو حرفة استخدمها الغرب لتحقيق تقدمه، نجد نفس الأدلة على أن هناك ميراثاً من العالم الثالث، عندما كان حقاً هو العالم الأول، انتقل عن طريق العرب في ظلّ الاسلام، مع ذلك نجد في التاريخ الغربي الرسمي، والتعليم الغربي العام/ صمتاً مطبقاً حول هذا الموضوع.
يتبع