نجاة فخري مرسي
أكتب هذه الكلمة، وقلبي يرتعش من الخوف، مع أنني أحمد الله على أن "الشهامة العربية" قد منحتني بعض "الحصانة النسائية" التي لا أحب أن أخسرها بجرة قلم.
لكنني أرى أن من واجبي وواجب كل من يتعامل مع "صاحبة الجلالة" ألا يقف مكتوف الأيدي، أمام ما نقرأه اليوم وكل يوم على صفحات صحفنا العربية من قدح وذمّ وألفاظ نابية، يوجهها القرّاء لبعضهم البعض.
ليس هذا يا سادة ما نريد أن نقرأه في صحفنا وليس هذا ما نريد أن ننشره في المجتمع المهجري كشعب عُرفت صحافته في لبنان، بالصحافة الحرة،.. وليس هذا ما يدل على أننا في بلد ديمقراطي كأستراليا يقدّس حرّية الكلمة وحرّية الفرد، ويتقبل رئيسها النقد الإعلامي بابتسامة وسعة صدر، يدلان على الديمقراطية الصحيحة (التي نرجو أن نتعلمها).
لكنه إن دلّ على شيء فإنما يدل وللأسف الشديد، على أننا نسيء استعمال الحرية والديمقراطية، وعلى أننا لا شعورياً يتأثر سلوكنا بما يجري على أرضنا اليوم، حيث تعاني صحافة بيروت ظروف تسلط على الحريات.
ولكي نخرج من تأثيرات هذه الظروف، ونعود الى طبيعتنا الأصلية.. لابدّ لنا من وضع النقاط على الحروف ومن مناقشة أنفسنا والتوصل الى معرفة ما لنا وما علينا.
وهذا يقتضي تقبّل الصراحة، والاعتراف بالآتي:
أولاً: ان من حق الكاتب، أينما كان، ومهما كان أن ينتقد، بشرط أن يكون النقد بناء ومفيداً.. ومن حقه أن يتطفل على اللغة وأن يُغضب "سيبويه" شرط أن تخضع لغته لأبسط قواعد وأصول اللياقة.. ومن حقه أن يستعمل القلم، شرط أن يحترم القلم الذي يستعمله، والصفحات التي يكتب عليها، في الصحيفة التي فسحت له مجالاتها وصفحاتها. ومن حقه أن ينتقد كاتباً آخر، شرط أن ينحصر نقده بعمل الكاتب الآخر، بعيداً عن شخصه واسمه وطائفته وجنسيته.. ومن حق أي قارئ أن يعبّر عن رأيه وأن يسجّل أفكاره على صفحات الجرائد، ولكن بما يعود بالفائدة على الصحيفة، وعلى المجتمع، وعلى اللغة والأدب، وعلى تنمية المعارف والمشاعر الإنسانيه والقومية، والحفاظ عليها.
والكاتب الأديب.. والأديب المؤدب.. والصحافة المحترمة والقارئ الواعي.. مدعوون جميعاً الى عدم السماح لهؤلاء، بالتردي بلغة الصحافة الى مثل هذه المستويات المرفوضة، لأننا نحتاج لتثقيف أولادنا.. نحتاجها لتنمية مداركنا السياسية والاجتماعية والأدبية.. نحتاجها لمعرفة أخبار بلادنا.. نحتاجها لمتابعة أدبنا ولغتنا، نحتاجها أكثر ما نحتاجها لربطنا بعاداتنا وتقاليدنا والحفاظ على تراثنا.
نريدها صحافة مهجرية على مستوى الصحافة المهجرية التي ساعدت على تنمية مواهب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وغيرهم من أدباء وشعراء يعتز بهم لبنان.
نرفضها مسرحاً للمزايدات والمهاترات واستعمال لغة الشوارع والمعارك الكلامية للحط من كرامة الكلمة وكرامة اللغة وكرامة القارئ وبالتالي كرامة الانسان.
نطالبها ونطالب الأخوة رؤساء تحريرها بأن يكونوا الحَكَم ويستعملوا حقهم في فرز المواضيع المفيدة ورفض المبتذل الممجوج وأن لا يعتبروا أن مجرّد توقيع الكاتب تحت الكلام المسيء للآخرين وللمصلحة العامة يعفيهم من مسؤولياتهم أمام رسالتهم وأمام مجتمعهم وأمام "صاحبة الجلالة".
وصاحبة الجلالة تغرق وتحتضر، فأنقذوها.
أنقذوها يا سادة
لا لإحضار المسنين
نجاة فخري مرسي
في هذه الزاوية خبر عن مطالبة رئيس وزراء فكتوريا للحكومة الفيدرالية بزيادة الهجرة، بسبب تدني عدد السكان وحاجة الولاية الى بعض الخبراء.
وأن تكون هذه الزيادة على أساس جمع الشمل وتوطين اللاجئين وإحضار ذوي الخبرات المطلوبة. ونحن إذ ندعو الله أن تستجيب الحكومة الفيدرالية لمطلب رئيس وزراء الولاية الخضراء، نغتنم هذه الفرصة لنبحث معاً مشكلة تهمنا جميعاً، قد يعود بحثها بالفائدة علينا جميعاً.
محبة الوالدين طبيعة إنسانية، ورغبة المهاجر في إحضار والديه للعيش معه أمر طبيعي.
ولكن ما يجب بحثه الآن هو الطريقة، لأننا إن اختلفنا على الشكل لا يمكن أن نختلف على هذا المبدأ.
لنبدأ إذن من حيث يشعر المهاجر بعاطفة ضرورة إحضار والديه الى استراليا حيث يذهب ليقدّم طلب هجرة لوالديه. وحيث توافق له الحكومة على الطلب دون تحمّل مسؤولية إعالتهم وعليه إذا كان جادّاً في مطلبه أن يوقع أمام الحكومة على كفالة تامة وتعهد تام. وبوازع من مشاعر الابن البار الذي يريد أن يضحي بالغالي والرخيص في سبيل إحضار أمه وأبيه. يوقع على الكفالة ويستلم الموافقه ويحضر الوالدين وتفرح الأسرة ويجتمع شملها.
ولكن ما نراه كل يوم في جاليتنا والجاليات الأخرى من ردود فعل لهذه المغامرة مثل عزلة الأهل وشعورهم بالوحدة بسبب غياب الأبناء طول النهار للعمل وجهلهم للغة وعدم وجود الأصدقاء. ومع الوقت يبدأ الأهل بالتذمر والشعور بالضياع وتبدأ تعاستهم تنعكس على جميع أفراد الأسرة فتسبب المشاكل.
وللخروج من هذه التجربة ومن هذا المأزق يبدأ البحث عن حلول. وهنا تفرض بعض الحلول نفسها، بسبب عدم وجود البديل، وبسبب استحالة العودة في بعض الحالات.. ومن الحلول المكررة إيجاد مسكن منفرد للأهل.
فيكون معنى ذلك أن الابن فتح على نفسه أبواب ميزانية صرف جديدة قد ترهق ميزانية أسرته من جهة وتشعر الآباء بأنهم غير مرغوب بوجودهم من جهة أخرى فتتشعب المشكلة وتكبر. ويبدأ الابن بالبحث عن وسيلة لاقناع الحكومة بإعالة والديه. ويبدأ الوالدين بالشعور بأن ابنهم قد جنى عليهم بإحضاره لهم وتخليه عنهم وما إلى ذلك.
فعلى هذا الأساس نرى، وبالخطوط العريضة، أنه من الافضل ألف مرة أن نبني موضوع حبنا لآبائنا على أسس عاطفية وعقلانية.
ومن أراد منا أن يبرّ بوالديه، أن يدعوهما الى زيارته ويترك لهما الخيار في قبول أو رفض الحضور للعيش في استراليا.
وإن أعجبتهم وتقبلوها فأهلاً ومرحباً، اللهم على أسس مادية مدروسة لها فيها ما يجلب الضرر للطرفين.
وإن رفضوها ونفروا منها، فليس أبسط من أن يعودوا الى أرضهم وديارهم وأصدقائهم وبيئتهم الطبيعية مع تخصيص مساعدة مالية اختيارية من الابن تساعدهم على العيش المريح في شيخوختهم، وتشعر الابن في نفس الوقت بأنه قادر على مساعدة أهله وكسب رضاهم ودعاهم.
أما بالنسبة للأهل الميسورين فبإمكانهم إن رفضوا العيش في استراليا أن يحضروا الى زيارة أولادهم بين الحين والحين، أو يذهب الأولاد الى زيارتهم كلما استطاعوا الى ذلك سبيلا.
وأنا لا أتكلم عن المادة لأنها تستطيع أن تحل محل الواطف الأبوية والبنوية وإنما لأنها تسبب المشاكل وكثيراً ما تطغي على نبل العلاقات بين الأباء والأبناء، لأن ما لمسناه، بالتجربة قد أساء لهذه العلاقات في بعض الحالات وقد سبب التعاسة للآباء والشعور بالغربة والضياع، كما قلنا، وطبعاً هذا ما لم يقصده الأبناء عندما أقدموا على مشروع إحضار ذويهم الى استراليا. ولتجنب الوقوع في هذا الخطأ الفادح، لا بد من أخذ العبرة من أخطاء الغير وتجارب الآخرين والله المعين.
في الذكرى السنوية للصديق الراحل حسّان السعّافين ابو نهاد
نجاة فخري مرسي
كلمة من القلب
انتقل الى رحمته تعالى في الخامس من ايلول 2007 صديق عزيز وأخ كان صديقاً للأدب العربي وللكتاب والقلم والكلمة، بعد معاناة بعثت على الأسف والأسى.
أيها الأخ الصديق حسّان السعّافين، بعد أن انفصلت روحك الودودة عن جسدك المتألم، رأينا أنا وزوجتى أن نرسل لك هذه الكلمة الصادرة من القلب، إعترافاً منا وتقديراً لصداقتك الدائمة والمستمرة لإنتاجنا الفكري وحضورك لندواتنا الأدبية، وحفلات توقيع كتبنا، وتقديمها للحضور باسلوبك الأدبي الراقي النظيف، وقد خسرناك وكانت الخسارة كبيرة.
أرقد الى جوار ربك يا أبا نهاد هانئاً مطمئناً، واعلم أننا سنذكرك كلما استمرت الحياة، ونصلي أن يكون مقامك في الجنة. لك الرحمة ولأسرتك وآلك ولأصدقائك ولنا من بعدك جميل العزاء. سنفتقدك في المناسبات الأدبية في ملبورن، وأنت المربّي، وأنت الضليع في لغتك العربية والتي كان يفوح من كل كلمة تكتبها، وفي كل مناسبة تحضرها عبير الصدق والإلتزام والمواطنية.
لنا ولأسرتك وأصدقائك العزاء.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الآسفان: دكتور أنيس وزوجته
نجاة فخري مرسي
حب الوطن
نجاة فخري مرسي
في أحد البرامج الصباحية في محطة اذاعية عربية، غرّدت المطربة فيروز اغنيتها الرائعة: "بحبك يا لبنان يا وطني بحبك، بجنونك بحبك، بفقرك بعزّك بحبك، وإذا نحنا تفرّقنا بيجمّعنا حبك" وفور انتهاء الأغنية فتحت الخطوط، وسألت احدى المذيعات السؤال التالي: "إذا كنت تحب وطنك، كيف تحبّه؟".
إنهالت الأجوبة، فجاء أكثرها عاطفياً، كلٌ حسب قناعته. أمّا كلمة كيف؟؟ فأجوبتها كانت كثيرة، منهم من قال إنه يدعم والديه في لبنان، ليبعد عنهما شبح الحاجة، ويحفظ كرامتهما. ومنهم من يتبرع لشق طريف إسفلت لقريته.. ومنهم من يبني مدرسة لأبناء قريته أو يفتح مستوصف صحي، أو يزور وطنه كلما سنحت له الفرص ليجدد العلاقات الأسرية والإجتماعية، ومنهم من حافظ على أهمية تعليم أولاده الذين ولدوا في استراليا لغتهم الأم، والحفاظ على قيمهم الدينية والاجتماعية، وأن يأخذهم لزيارة وطنهم للتعرّف على روعته وحضارته وديموقراطيته ومدنه ومصايفه ومنتزهاته، وووالخ.
وهذه أمور كلها مشهود بها للمهاجر اللبناني، أينما كان، ومهما تغرّب وكل هذا جميل ومشرّف، ولكن بقي الواجب الأهم، الذي لم يذكره أحد، ألا وهو أن نفكر كمجموعة بدعم اقتصاد الوطن الذي نحبه والذي نريد أن نعبّر عن حبّنا له، ونحن نعلم أن اقتصاده يقترب من خط الخطر، بعد أن كثرت ديونه، وتراكمت فوائدها، بسبب الأنانيات الشخصية والذاتية عند بعض المسؤولين فيه فامتلأت جيوبهم وفرغت خزينته.
ولو فكرنا معاً بروح دعم اقتصاد الوطن، مشروع عملي ملحّ لكانت أولويات التعبير عن حبنا لوطننا هي دعم اقتصاده.
دعونا في هذه العجالة نتذكر، مشروع: باريس واحد.. باريس اثنين وباريس ثلاثة التي دعا فيها الرئيس الفرنسي الصديق الراحل، دول العالم، كي يتبرعوا بالمال لمساعدة اقتصاد لبنان.. ونتذكر كيف تبرعوا بالملايين شفوياً، الى أن وصلت الأرقام الى المليارات، ولكن للأسف لم يُسدّد اكثرها، لأن أكثرهم لم يوفي بما وعد. وهذا يّعيد الى الذاكرة المثل القائل: ما حكّ جلدك غير ظفرك".
كلنا يعلم أن الاحصائيات في لبنان تقول: إن المهاجرين اللبنانيين أعدادهم ضعف اللبنانيين المقيمين في لبنان، وان حوالي الثمانية ملايين في مغتربات العالم الكثيرة قد حققوا فيها الكثير، لا بدّ أن يكون بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً لانقاذ اقتصاد وطنهم، برجالهم ونسائهم.
ويكفي أن نذكر ونذكّر، البرفسورة ماري بشير التي عيّنت حاكماً "لولاية" نيو ساوث ويلز، وأول امرأة تعيّن في سلك القضاء الاسترالي، وهي من مواليد لبنان. ويجب أيضاً أن نذكر ونذكّر أن علينا أن ننشئ، ما يسمّى "صندوق المهاجر" يُغذيه كل مهاجر حسب إمكاناته من المليونير حتى محدود الدخل، ويستمر هذا الصندوق بدفع أقساط ديون وطننا السنوية الى أن ننقذ مشكلة اقتصاد الوطن ليستعيد لبنان عافيته وأمجاده وصناعته وسياحته وزراعته ويفتح لنا نحن المهاجرين ذراعيه لنعود ومعنا كل ما حققناه من مال وخبرة، وهذا مثل رائع لحب الأوطان، وليس بالشوق والأغاني والدموع والتأوهات.
توحدوا
من المعروف أنه لدى الجالية العربية في ملبورن وحدها حتى الآن 38 تجمّعاً على شكل اتحاد أو منظمة أو حزب أو جمعيات سياسية أو اجتماعية خيرية أو دينية أو اجتماعية فقط.
ومنها ما لايزيد عدد أفرادها عن عدد أصابع اليد، ومنها من تمثل جالية إقليمية بكاملها منشقة على نفسها تعاني من الانقسامات والخلافات وعدم الثقة. ومنها من لها دستور ومنها من تمارس واجباتها وخدماتها وحفلاتها بدون دستور.
وقد درجت أكثر هذه الجمعيات أو بعضها على عمل انتخابات سنوية.. والغاية غير معروفة من كل هذه الانتخابات. هل هي المغالاة في الدقة؟ أم أنها وسيلة لحسم نزاع على السلطة؟ أم زيادة في الديمقراطية؟ العلم عند الله. مع أن المجالس النيابية في العالم تحلّ ويُعاد انتخابها مرة كل ثلاث أو أربع سنوات، وكذلك الحكومات والوزارات.
ولو نظرنا الى ما تسببه هذه الانتخابات من ربكة وحزازات ومضيعة للوقت والجهد، لصعب علينا فهم المبرر أو الهدف من وجودها وتكريرها.. مع أننا نعلم بالخبرة أن أكثر هذه الانتخابات تجيء نتائجها واحدة وتعود بنفس الوجوه الى (منصة الحكم) وتقع في نفس الأخطاء وتعيش في نفس الدوامة وتواجه نفس الضغوط ونفس المعارضة.
تماماً كما هو حاصل في وطننا الأم لبنان، حيث يذهب كامل الأسعد ويعود حمادة ويذهب صائب سلام ويعود رشيد كرامي ويذهب كرامي ليعود ابن الصلح.. وتشكل الحكومات وتحل البرلمانات والشعب يعيش على أمل أن يرى بعض الوجوه الجديدة فلا يرى سوى الوجوه المألوفة التي ورثت الحكم والمراكز عن الآباء والأجداد.
أما الأجيال الجديدة والكفاءات الشابة والشهادات العالية والوجوه المثقفة فليس لها مكان بعد تحت قبة البرلمان اللبناني.. ويعلم الله متى سيصبح لها مكان.. ويتخلص الوطن المسكين من الحكم الرجعي القائم على الطائفية والعشائرية.
وفي ملبورن تكاد تكون جاليتنا صورة مصغّرة عن الوطن الأم (ومن شابه أباه ما ظلم).
وأما الخدمة العامّة.. ومظاهر التعاون والتكتل والتجرد وتوحيد الكلمة.. فلم يحن أوانها بعد.. لأن الانسان لم يصل بعد الى كوكب الزهراء.. ووصوله الى القمر غير كاف ليصل مفهومنا الى ما يناسب وجودنا ومصالحنا.
ويكفي أن نعلم أن تغيير جميعة من الجمعيات لرئيسها برئيس آخر يسبب عداء أبدياً بين الاثنين وربما بين الرئيس السابق وجاليته لأنها انتخبت غيره. وكل هذا على حساب الجالية التي وُجدت الجمعية أصلاً لخدمتها وخدمة مصالحها.
هذا الى جانب الاعتقاد بأن هذه التجمعات قد وُجدت أيضاً لتحسين سمعة الجالية في ديار المهجر وحلّ مشاكلها.
ذكرى رحيل عبد الناصر
نجاة فخري مرسي
اجتمعت يوم السبت الماضي جموع غفيرة في ملبورن بدعوة من حركة الناصريين المستقلين "المرابطون" لإحياء وتخليد ذكرى رحيل القائد جمال عبد الناصر.
وبهذه المناسبة، توقظنا لسعة الألم ونحن نرى ما آلت اليه حال المنطقة العربية من تقهقر وضياع ونكسات وويلات بعد رحيل رجل القومية العربية الصادق.
لولا غياب عبد الناصر المبكر لما تعرضت أرض الكنانة لما تعرضت له من مضار وعزلة بعد عهده.
ولولا غياب عبد الناصر عن الساحة العربية لما سبح لبنان بحمامات الدم بسبب حربه الأهلية ولا تجرأت اسرائيل على اجتياح أرضه بعد أن تأزمت أموره وأصبح حاميها حراميها.
ولولا غياب عبد الناصر لما اشتعلت حرب الخليج بهذه الضراوة والغباوة، والامة الاسلامية تفني نفسها بنفسها.. ودعاة الاسلام يزايدون على ذبحه.. دون أن نجد في هذه الأمة من ينقذها من نفسها، أو يمد لها يد العون.
ولولا غياب عبد الناصر لما افتقرت المنطقة العربية الى من يسهر على مشاكلها، ويحمي كرامتها.. ويخلصها ليس فقط من الأعداء، بل من لعبة الدمار الذاتي التي تلعبها.. ومن الانتحار البطيء الذي تمارسه.
إننا بحاجة الى عبد الناصر جديد، يعيد زرع بذور القومية العربية في أرضنا بعد أن تفرقت شعوبنا الى شيع وأحزاب، وحملت ملايين الشعارات، التي تنادي بالتفرقة والتباعد والعداء وأصبحت تحركها رجالات الدين والعمائم والقلنسوات.
التجارة والتجار العرب في ملبورن
قال لي مصدر موثوق، بعد حديث طويل عمّا وصلت اليه التجارة العربية في ملبورن بأنها قد انتشرت انتشاراً ملفتاً، وخاصة تجارة المطاعم والكافيتاريات والمقاهي التي أصبحت تمثل حوال 80% من مجموعها في قلب مدينة ملبورن وخاصة في شارع سوانستون الرئيسي.. هذا بالاضافة الى نسبة كبيرة من (الملك بارات) و "7 Eleven" والأفران والمصانع وجميع أنواع المتاجر الصغيرة، في ضواحي ملبورن.
وهنا يطيب لي أن أقف عند كلمة "المتاجر الصغيرة" متسائلة: لماذا تبقى تجارتنا صغيرة؟ ولماذا لا يسعى العربي لأن تكون تجارته كبيرة؟ خاصة ونحن نعيش في بلد بدأت تجتاحها الشركات الكبيرة ورؤوس الأموال الأميركية والصهيونية؟
والرد الطبيعي هو أننا نفهم بالتجارة ونعمل بجهد منقطع النظير، ولكننا نؤمن بالفردية ونكره الشركة.. ولا نثق ببعضنا البعض.. لذلك لا نستطيع أن نكبر ونتوسع. ومن النادر أن نجد بيننا مصدّراً أو مستورداً لأن تجارة التصدير والاستيراد تحتاج الى شريك في الخارج ليوفر البضاعة ويشحنها زائد أنها تحتاج الى دعم في السوق وتشجيع من أبناء الجالية.. فيصطدم المستورد بالحقيقة المرّة التي كثيراً ما تسبب فشله وضياع رأس ماله.. وهي أن كل واحد منا يغني على ليلاه.. وإن اعتمد المستورد على الغير، فالغير محتكر وربّما يتجنّب التعامل معنا لأسباب كلنا نعرفها.
وللتجارة تقييم مادي وأدبي وتقييمنا للمتاجر الصغيرة مادياً هو أنها على اختلاف أنواعها قد تؤمن عيش الفرد مع أسرته وربّما تمكنه من توفير بعض المال بعرق الجبين، ولكنها محلات مملوكة لأفراد مستقبلها محدود، ومن المستحيل أن تتحول الى رأس مال مرموق يمكن أن يُعمل له أي حساب في سوق التجارة الاسترالي.
وأمّا للتقييم الأدبي فنستطيع أن نذكر الأفران والمطاعم العربية ثم نقول بأنها قد حققت بعض المكاسب الأدبية بالاضافة الى ما تحققه من مكاسب مالية.
لأن الفرن الذي ينتج الخبز العربي قد وصل الى مرحلة جيدة من المكاسب القومية حيث غزا جميع المحلات وأصبحنا نجده في المخازن الكبرى مثل "السايف واي" و "السوبر ماركت" وأصبح يعرفه كل فرد في المجتمع الملبورني* كخبز عربي وممتاز هذا بالإضافة الى شجاعة وعصامية بعض منتجيه بكتابتهم للحرف العربي على غلافه.
كذلك المطاعم العربية التي كثر عددها وبدأت تتفنن بعرض مأكولاتها الشهية وتجتهد بتحسين خدمة الزبون مما حسّن سمعتها وجعلها في مصاف المطاعم الاثنية الاخرى وأصبح الطبق العربي واللبناني بالذات من الأطباق الشهيرة في ملبورن ونخص بالذكر مطعم "ارابيان نايت" و "المازات" ومطعم "عبلا" و "عبدول" الذين نعتبرهم قد حققوا الهدف القومي مع المكسب المالي.
وأما المصانع فلا نستطيع أن نسميها عربية وإنما هي مصانع مملوكة للعرب ما دامت تنتج الملابس العامة للاستهلاك المحلي وليس من بينها من فكر بإنتاج الملابس الشرقية لكي يحقق هدفاً قومياً ويجعلها على الأقل، تختلف عن غيرها ومن ثم تسلم من المضاربة أو تسير على طريق مختلف.. أو تحويلها الى شركة أقوى على الاستمرار.
ولنأخذ مثلاً مصنع "خليل ولطوف" للألبسة في منطقة برانزويك الذي تأسس منذ حوالي مائة سنة وهو الآن يعدّ أكبر مصنع يملكه عرب.. وقد عاش وكبر لأنه تأسس كشركة مساهمة.. ممّا ساعده على التوسع والاستمرار بالرغم من أن أحد مؤسسيه قد توفي فسيّره وواصل العمل فيه بقية الشركاء.. ولو كان هذا المصنع لفرد واحد لوجب بيعه حال وفاة مالكه أو مرضه أو تقاعده عن العمل.
كذلك عاشت الصحافة العربية في المجتمع الاسترالي، على الهامش الى أن استطاعت أن تفرض وجودها بين الصحف الاثنية الأخرى وأصبحت تدخل مكاتب الدولة، وتترجم افتتاحياتها لمعرفة مضامينها واتجاهاتها.. وهذا حوّلها من مجرّد تجارة متواضعة للاستهلاك المحلي الى صحافة ذات خط قومي، وهذا يبعث في نفوسنا الأمل بأن تتحول التجارات العربية الصغيرة أيضاً الى شركات تكون قادرة على أن تحمي نفسها وسط تيارات الإحتكار وتدفق رؤوس الأموال الاجنبية على استراليا، وما سمي التجارة الحرّة.
* أي في مدينة ملبورن عاصمة ولاية فكتوريا في استراليا.





