الكتاب الرابع عشر للأديبة نجاة فخري مرسي: جهد كتابيٌ دؤوب وطموحات ثرة متألقة



خالد الحلِّي
ملبورن
في حفل توقيع الجزء الثاني من كتابها "المرأة في ذاكرة الزمن" عام 2004، قالت الأديبة والصحفية نجاة فخري مرسي، إنه قد يكون كتابها الأخير ، بناءً ما صورته لها نفسها عن أحكام الشيخوخة، ولكنها رأت فيما بعد أنها لا تستطيع أن تفي بهذا الوعد، بسبب ما رأته أمامها من مجوعة مقالات كتبتها ونشرتها على مدى ثلاث سنوات متتالية في مجلة "ليلى" الإلكترونية لصاحبها ورئيس تحريرها الشاعر شربل بعيني سدني-أستراليا، وهي مجلة لها قراء وكتاب في جميع أنحاء العالم.
هذا ما تخبرنا به هذه المبدعة الوفية للكتابة كفن ورسالة ووسيلة مثلى للتعبير، في تمهيدها لكتابها "كتابات على مرآة الزمن" الذي يعد الكتاب الرابع عشر لها. وقد أطل علينا هذا الكتاب بـ 316 صفحة من الحجم الكبير، وذلك بطباعة أنيقة وإخراج جميل. وقد ضم الكتاب مقالات تشير المؤلفة إلى أنها كانت تواكب فيها الأحداث السياسية والاجتماعية، وإلى أنها كانت تنشر بمعدل مقال كل أسبوع، وهي تنطوي على كتابات تعبر عما تجود به النفس وما يجود به الزمن من أحداث ومشاعر تستحق التسجيل على مراياه وانعكاساتها بحلوها ومرها.
وتوضح المؤلفة أن المقالات التي يضمها هذ الكتاب، هي مختارات مما نشرته في مجلة "ليلى" الإكترونية بين عامي 2006 و2008، ولكنها تعترف من جانب آخر بأن بعضها قد نُشِر من قبل، ولكنها ارتأت أعادة نشرها نظراً لأهميتها وفق ما أخبرها به أصدقاء كثيرون، أو لأنها أجرت بعض التعديلات عليها، وهكذا تكون تواريخ النشر خلال السنوات الثلاث المشار إليها، ترتبط بتاريخ نشرها في موقع مجلة "ليلى" فقط.
بعد تمهيد المؤلفة تطالعنا مقدمة للكتاب بخمس صفحات بقلم كاتب هذه السطور. وبالانتقال إلى محتويات الكتاب نجد أنه تضمن 114 مادة، تناولت الكثير من الهموم والتطلعات والمشاغل العربية، والعديد من المعالجات والتأملات في قضايا وظواهر عالمية، والمتنوع من طرح ومناقشة بعض قضايا وهموم وإشكاليت الجالية العربية في أستراليا. كما تضمن الكتاب مجموعة من القصائد والأشعار والتأملات التي تفيض بالرقة والجمال ورقة الاحساس.
وتضمن الكتاب قسماً خاصاً بعنوان "شخصيات نسائية"، تقديراً لعطاءات وتضحيات لنخبة من النساء اللواتي تركن بصماتهن واضحة في مسار حياتنا وتاريخنا كثيرة. وقد ارتأت المؤلفة أن تقدم في هذا الكتاب بعض النماذج التي ربما لاتعرف عنها ما يكفي الأجيال الجديدة، وهي أسماء جديرة بالعرفان والتقدير. وكانت المؤلفة قد تطرقت لهن في الجزء الثاني من كتابها"المرأة في ذاركرة الزمن"، ولكنها تطرقت إليهن في كتابها الجديد بتركيز ووفق صياغة أخرى.
وفي هذا الإطار حدثتنا بشكل مشوق وجميل عن نخبة رائعة من النساء العربيات تحت العناوين التالية : الدكتورة نور سلمان وعطاؤها الفكري والإبداعي – مي زيادة رائدة فذة خلدها التاريخ – أنس باز طبيبة رائدة بامتياز – سلمى الحفار الزبري ونتاجها الأدبي بالعربية والفرنسية – فاطمة اليوسف ومجلتها المصرية الرائدة "روز اليوسف" – سلوى نصار أول عالمة في مجال تخصصها – لبنانية حاكمة لولاية أسترالية – هيلين توماس لبنانية ترأس جمعية صحافيي البيت الأبيض في أمريكا – سيزانبراوي رائدة لا تنسى.
وعلى مدى أربع حلقات تحت عنوان "بيروت أيام زمان" تناولت عبر لقاء مع الإذاعية بديعة فتح جنبلاط بيروت الماضي والحاضر وتطلعات المستقبل. وبهذا الصدد تقول : " .. بينما كنت أبحث في أرشيفي المليء بالذكريات والأفكار السياسية للمقارنة بين حاضرنا وماضينا، وجدت فيما وجدت برنامج الصديقة والزميلة "أيام زمان" الذي يعود تاريخه إلى أواخرن القرن العشرين. وقد رأيت أن أشارك القاريء عبر حلقات في مقارنة بين بيروت اليوم و "بيروت أيام زمان"، عبر إضاءات سريعة عن الأحداث الكثيرة التي عانت منها على مدى تاريخها الطويل، الذي يصل وفق تقديرات الحفريات الجديدة إلى ستة آلاف سنة، وعن الغزاة وعن الحروب، والكوارث الطبيعية، وبالتالي عن ظلم أهلها لها بحروبهم البغيضة، التي شوهت جمالها ودمرت عمرانها ".
وجاءت ضمن محتويات الكتاب لقاءات صحفية وأدبية مهمة، حملت العناوين التالية:
· مع الدكتورطالب عمران : هاجس دائمٌ للمعرفة والوعي.
· مع الأديبة ناديا الجردي نويهض : نضال مستمر وإسهام فاعل للمرأة.
· الصحافية والروائية ليلى عسيران : مواقف رائعة و10 روايات.
· مع الدكتورة نوال السعداوي : في الإبداع والتمرد ..!
· مع الدكتورة سعاد المبارك الصباح : امرأة عربية تريد رد الاعتبار لعقل الأنثى.
· مع الأديبة أميلي نصر الله : تكتب للجميع وتعي هموم الاغتراب.
إن كتاب "كتابات على مرآة الزمن" للأديبة والصحفية نجاة فخري مرسي، هو أشبه بحديقة غناء تحفل بالجميل من الورود والثمار، وهو كتاب لا يمكن أن يفيه العرض حقه، فمعذرة، وتحية إلى هذه الأديبة والصحافية الرائدة في دنيا الاغتراب العربي في أستراليا، ولا بد لنا هنا من أن نشكر أيضاً زوجها الفاضل الأخ الدكتور النبيل أنيس مرسي على دعمه الكامل لها في مجال الكتابة، وندعو إلى الله أن يمنَّ عليهما بوافر الصحة والعافية ليواصلا عطاءهما الكتابي الثر المتدفق.

التعتيم الغربي على تراثنا - الجزء الثاني

نجاة فخري مرسي

في القرن التاسع عشر، مثلاً، أفردت دائرة المعارف البريطانية للراهبة الانجلوسكسونية "هورسيفيا" ضعف المساحة التي أفردتها لعبد الرحمن الثالث، الذي أصبحت قرطبة في ظله أكبر المدن الثقافية في أوروبا (وقد وصفتها الراهبة هورسيفيا نفسها بأنها جوهرة العالم).
كما أن تاريخ العصور الوسطى لكامبردج الذي ضمّ خمسة آلاف صفحة لم يعط للحضارة العربية في اسبانيا سوى خمسين صفحة.
كما أن المؤلف الأمريكي"جايمس هارفي روبنسون" صاحب الكتاب الدراسي النمطي لعدة عقود، والذي تناول العصور الوسطى والحديثة، قد خصص عشر صفحات فقط للنهضة الاسلامية. ثم يستطرد قائلاً:
"وهذا قد أنتج أيضاً "سير كنت كلارك" هيئة الاذاعة البريطانية في عام 1969 سلسلة تلفزيونية كاملة، وكتاباً عن "الحضارة" من دون أن يلاحظ أن هنالك شيئاً من الحضارة فيما وراء الغرب.
وحتى في وقتنا هذا فإن قلة فقط من الباحثين والمعلقين الغربيين تعترف بالدور الثقافي العربي والاسلامي آنف الذكر.
وفي باب "الانتحال عن طريق الترجمة" في نفس الكتاب "الغرب والاسلام" نجد ملاحظة لأكاديمي هولندي تقول: "لاشك في أن حقيقة الاسلام العربي والاسلامي في التقدم الفلسفي والعلمي العربي، كان يجب ترجمته قبل أن يصبح استخدامه ممكناً، لأن عملية إخفاء المصدر، وترجمة أسماء العلماء العرب الكبار بشيء من التحريف الى اللغات اللاتينية والأوروبية المستفيدة منها، قد سهلت هذا الإنتحال الثقافي الهائل، لأن تعلم اللغة العربية في ذاتها كان مكروهاً، في مختلف أنحاء الغرب وكانوا يقولون: إنها ليست جديرة بعناء التعرّض لمثل هذا الجهد والتعب لمجرّد الاطلاع على احلام وأوهام المهووسين" (وهو يعني العباقرة العرب والاسلام).
إذاً فإننا نرى أن الزمن يسير بدون توقف، وأن الحضارات تستمر وتتفاعل مع سابقاتها في مجالات العلم والأدب والفلسفة، وباعتراف الحاضر بالماضي، تأكيد على أهمية التفاعل الحضاري والعلمي عند الشعوب.
بهذه الإمكانات المحدودة، والتعتيم المذكور قررت أن أقوم بإعداد كتاب جامع باللغتين العربية والانجليزية يحتوي على معلومات كافية عن العبقريات العربية/الاسلامية، وايضاً الغربية، يوفرها للقارئ العربي المقيم، كما للمغترب في البلاد الناطقة باللغة الانجليزية، بخاصة لأجيالنا الجديدة التي ولدت في المغتربات وفقدت لغتها الأم، فأكون بذلك قد قدمت للمجتمع فكرة عن تراثنا، وعن حضارتنا التي تفاعلت مع سابقاتها، ومعاصراتها من الحضارات، والتي مهدت السبل للاحقاتها، فكانت بمثابة الأسس والقواعد، وهي تحاول النهوض في أوروبة وغيرها.
اخترت أن يكون إسم الكتاب: "عباقرة من التاريخ" وأن تكون أبوابه خمسة:
1- أقدم العباقرة (العدد ستة)
2- عباقرة من الشرق (العدد عشرون)
3- عبقريات من الشرق مختصرة (العدد 14)
4- عباقرة من الغرب (العدد 52)
5- عبقريات من الغرب مختصرة (العدد أربعة)
فبلغ عدد صفحاته 224 صفحة.
وعندما بدأت أجول في بطون الكتب، ودوائر المعارف بحثاً عن المراجع
الموثقة بدأت أكتشف مشكلة التعتيم، فقررت أن نسافر زوجي وأنا الى بلادنا العربية لأستعين بمكتبات الجامعات فيها لاستكمال ما ينقصني من معلومات عن العباقرة العرب/الاسلام خصوصاً، والقرار أن يكون باللغتين العربية والانجليزية، كما ذكرت،أنا أعدّ العربية وزوجي يعدّ الانجليزية لكل شخصية.
واكتمل الكتاب.. وطبع الكتاب في لبنان.. وكلف ما كلف من جهد ومال. فحملناه وعدنا الى استراليا بحوالي ألف نسخة، وعندي شعور بالانتصار على المصاعب كالذي بنى "القلعة" وبانتظار أن تتبناه وزارة التربية ليدرّس في أحد الفصول المدرسية.. وبأن كل قارئ عربي يدين هذا التعتيم على تراثنا سيسعده أن يقرأ هذا التوضيح، وهذه الأسماء التي نعتز بذكرها، وستسعده هذه الأضواء.. وبأن ندوات تراثية ستعقد لمناقشة أمر هذا التعتيم، وعمل شيء أي شيء لإنقاذ الموقف وبلادنا مليئة وزاخرة بالطاقات الاكاديمية، وأن، وأن، وأو، وأو يتهافتون على اقتنائه في مكتباتهم لتقرأه أجيالهم، وتعرف شيئاً عن تراثها المستهدف.
ولكن ما حصل، جعلني أستنتج عن يقين أن ما تعرّض له تراثنا من تعتيم وانتحال وتحوير كان وما زال بسبب إهمالنا، ولم يبق لنا في الاعلام الغربي سوى صفة "الارهاب".
أما عظمة قانون حمورابي.. وطب ابن سينا.. وأبو بكر الرازي.. وسقراط وابو قراط.. ومقدمة ابن خلدون.. وافلاطون وارستتطالس.. وابن الهيثم.. والبيروني.. وأبو العلاء المعري.. وابن باجه.. وابن رشد.. وابن الخازن.. وابن النفيس.. والطبري.. والاشعري.. وابن جابر.. وابن النديم.. والأصفهاني، وابن الاثير.. والانطالكي.. فقد طواهم التاريخ أو كاد، ولا ذكر لهم في مدارسنا أو في مجالسنا..
سامحنا الله.

ملبورن – استراليا في اوائل عام 2009

الغرب وعمليات التعتيم على تراثنا العربي والاسلامي

نجاة فخري مرسي

في كل عمل تسجيلي يحتاج الكاتب أو الباحث الى المراجع الموثقة في دوائر المعارف، أو كتب التاريخ، أو دائرة المعارف المحلية والعالمية وعلى سبيل المثال عندما قررت عام 1989، أن أسجل تاريخ الهجرة العربية الى استراليا في كتاب، لم أجد أمامي أية معلومات مسجلة أو موثقة في استراليا أستعين بها في هذا الموضوع، فكان عليّ أن أعتمد مكرهة على ما تتناقله الألسن في مجالس المغتربين من أوائل المهاجرين.
كذلك وجدت وأنا أعمل في الصحافة المهجرية العربية أنني كلما أردت أن أكتب عن شخصية عربية أو اسلامية ذات شأن تاريخي في الأبواب الصحفية التي كنت أحررها مثل باب "صندوق المعرفة" في جريدة "النهار" المهجرية التي أراسلها، أو باب "عباقرة من التاريخ" في جريدة "البيرق" اللبنانية المهجرية أيضاً، كانت تواجهني نفس الصعوبات في المراجع الغربية، طبعاً بعكس الشخصيات الغربية التي كانت مراجعها متوفرة تماماً، مما جعلني أعتقد أن هنالك تعتيماً على تراثنا العربي والاسلامي في تلك المراجع، هذا الى جانب تحريف بعض الأسماء لبعض العلماء العرب والاسلام، فكأن يصبح إسم إبن سينا.. Avicenna وابن رشد.. Averroes واسم ابن الهيثم.. Al-Hazen وهلم جراً.
كذلك تجد أن طريقة توزيع المعلومات عن الشخصيات العربية في دائرة المعارف البريطانية، وكوليرز Colliers الامريكية تأتي على شكل أسطر معدودة تحت كل تخصّص في مجلدات مختلفة، يصعب على الباحث، أو المنقب تتبعها، أو الوصول اليها في الوقت المتاح – خاصة إذا علمنا أن لكل عالم من العلماء العرب تخصصات عديدة، مثل الطب والفلك والهندسة والرياضيات والفلسفة، في نفس الوقت.
ولكي نبرهن عن نظرية التعتيم هذه دعونا نستشهد بأقوال بعض المستشرقين من أهل الغرب. قال الدكتور "تشيلدز" في كتابه "الغرب والاسلام" صفحة 149، ما معناه أن كل الثقافات التي استغرق اتصالها بغيرها من الثقافات مدى "زمنياً" محدوداً نسبياً، تتعمد جهلها بتلك الثقافات. بيد أن قصر المدة في العلاقة الغربية/الاسلامية، لم يشكل سبباً كافياً لذلك، مع أنه لم تكن للغرب علاقة طويلة ومستمرة في الواقع، بغيرهم من الثقافات الأخرى في العالم، كما كانت علاقته في الاسلام والعالم العربي، إذ لم تكن هذه العلاقة خارجية فحسب..
وبالرغم من أن المؤسسة التعليمية في الغرب عمدت الى عدم تبصير أجيال من الاطفال بالاسلام، فالحقيقة الثابتة هي أن المعرفة العربية/الاسلامية كانت أساساً لنهضة الحضارة الغربية نفسها.
كذلك لا بأس من أن نستشهد بقول الدكتور "د. ج. جوري" في الكتابة ذاتها، أو في الكتاب ذاته تحت عنوان "فقدان الذاكرة الطويل الأجل"، حيث يقول:
"من الواضح أن العصور الوسطى لم تكن مظلمة حقاً، ومجرد أن إنجازاتها العظيمة قد حققها الشرقيون، لم يكن عذراً كافياً للانتقاص من قيمتها. إذا أن الحكم غير المتحيّز الذي يقضي به التاريخ، هو أنه منذ النصف الثاني من القرن الثامن، الى القرن الثاني عشر كانت اللغة العربية لغة العلم للجنس البشري.
خلاصة القول أنه في كل علم أساسي، أو حرفة استخدمها الغرب لتحقيق تقدمه، نجد نفس الأدلة على أن هناك ميراثاً من العالم الثالث، عندما كان حقاً هو العالم الأول، انتقل عن طريق العرب في ظلّ الاسلام، مع ذلك نجد في التاريخ الغربي الرسمي، والتعليم الغربي العام/ صمتاً مطبقاً حول هذا الموضوع.
يتبع

أرض الحريات

نجاة فخري مرسي

كثيرة هي الأقلام التي تكتب في الحملات الانتخابية عن اقتناع وعن غير اقتناع وكثيرة هي الأكف التي تصفق لمجرد التصفيق.
وكثيرة هي الشخصيات التي تأخذ الصور التذكارية مع "مالكولم فرايزر" ثم مع "بوب هوك" دون حرج، ثم تنتخب من تنتخب.
... أنا لا أحب أن أكون واحدة منها.. لمجرّد أن مستر بوب هوك قد أصبح رئيساً للوزراء وبإمكانه أن يحيي أو يميت.
جالت في خاطري كل هذه الأفكار قبل أن أحضر حفل الكوكتيل الذي أقامته بلدية ملبورن على شرف رئيس الوزراء، الأسبوع الماضي، بمناسبة الحملة الانتخابية، ودعتني اليه، من ضمن قائمة العاملين في الإعلام.
وتنازعتني عوامل كثيرة منها: واجبي كصحفية ومحبذة لحزب العمال. ومنها واجبي تجاه قوميتي ومواقف الرجل منها، ومنها أن من سمع تصريحات مستر بوب هوك الاسبوع الماضي لا يسعده أن يسمع رئيس وزرائنا اليوم وهو يصرّح عن شدة حرصه على لبنان.. لأن لبنان الذي يدعمه بوب هوك ويدعمه الغرب وتدعمه اسرائيل غير لبنان الذي نحلم به وطناً لجميع اللبنانيين.
وأخيراً قررت أن لا أصفق لبوب هوك، وأن لا أكتب حرفاً واحداً عن غير اقتناع.. لن يؤثر ذلك على شعبية حزب العمال.. أو يقلل من حجم الحملة الانتخابية التي ستصل مصاريفها الى خمسة وثلاثين مليون دولار "أدفع أنا وكل مواطن أسترالي كل 12 شهراً جزءاً من تكاليفها دون أن يستشيرنا أحد". لكنه سيقلل من إيماني بمبادئي وقوميتي وصدق مواقفي.
وسيقدر رئيس الوزراء صراحتي وحريتي التي أنا مدينة بها لديمقراطية الصحافة في لبنان.. والى أرض الحريات: أستراليا.

مسؤولية المرأة

نجاة فخري مرسي

بدأت المرأة الاسترالية القيام بدورها الطليعي في الامور السياسية والاجتماعية والانسانية. وبذلك تكون قد وسّعت قاعدة نشاطها من دائرة "تحرير المرأة" و "حقوق المرأة" الى المشاركة في المشاكل الانسانية والدولية العامة التي تخص الجنس البشري ككل.
وفي الاسبوع الماضي تظاهرت حوالي 500 سيدة أمام محطة "باين غاب" الاميركية للارسال اللاسلكي الذي يقوم بتوجيه جميع السفن الحربية التي تحمل قنابل واسلحة ذرية في المحيطات المحيطة باستراليا.. اعتقاداً منهن بأن هذه المحطة ستكون من الاهداف الهامة اذا قامت حرب ذرية وأن وجودها سيجرّ الويلات النووية على استراليا ومن فيها.
ثم قررت المتظاهرات الاعتصام لمدة اسبوعين أمام المحطة لجذب انتباه وسائل الاعلام والشعب الاسترالي ككل لمشاركتهن الرأي في خطورة وجود هذه المحطة الاميركية التي تجهل استراليا ما يدور في داخلها.
وقد وفرت الحكومة أعداداً كبيرة من قوى البوليس المحلي والفيدرالي أثناء المظاهرة والاعتصام لحفظ الامن وحماية المحطة.
أما المبادرة الثانية التي قامت بها المرأة الاسترالية في نفس الاسبوع كانت مظاهرة مكونة من سيدتين فقط دفعت كل منهما مبلغ 459 دولاراً لحضور محاضرة لهنري كيسنجر اثناء وجوده في ملبورن، وهما مسز موزان غور ومسز روز ايسون – من المعروف أن هنري كيسنجر الذي يزور استراليا لالقاء محاضرات عن فلسفة الاقتصاد السياسي بصفته وزير خارجية سابق ومستشار ريغان لشؤون اميركا الوسطى حالياً – وعند فتح باب الاسئلة وقفت مسز ايسون لتسأل مستر كيسنجر سؤالاً محرجاً عن تدخل الاستخبارات الاميركية في نيكاراغوا وصرفها لمبلغ 50 مليون دولار لتشجيع الارهاب في المنطقة، فحاول رئيس الجلسة ان لا يعطيها الحق في هذا السؤال لكنها أصرت على سماع جواب كيسنجر، فأجابها كيسنجر منكراً هذا الاتهام. أما مسز غور فكان سؤالها عن تدخل اميركا في كمبوتشيا، أما صوتها فضاع بين الضجيج الذي افتعله الحضور.
هذا ما حدث داخل القاعة في حين وقفت مجموعة كبيرة من النساء للتظاهر ضد وجود كيسنجر، يحملن يافطات كتب عليها عبارة "لتخرج اميركا".
هذه بوادر نهضة نسائية في استراليا ذات لون جديد تخدم السلام وتستنكر استعمال الارض الاسترالية لمصالح استراتيجية اجنبية تعرّضها وتعرّض اولادها لحرب إبادة لا دخل لها فيها.
وأنا إذ أدرج هذه التحركات النسائية لا للحصر ولا للعد وإنما على أمل أن أقدمها مثلاً لنساء الامة العربية التي يفني رجالها بعضهم بعضاً ويحرقون الاخضر واليابس ويضحون بالاطفال والشيوخ على مذابح التبعية والاطماع والاحقاد، وينقسمون الى فئات منها من يستقبل الاستعمار ويستعين "بتشريفه" لتصفية الحسابات القديمة... ومنهم من يستضيف أشباه الاستعمار باسم القومية والوطنية، ومنهم من يستعمل الدين لسنّ خناجر الموت وإشعال فتائل المتفجرات، والنساء يهربن بأطفالهن من ملجأ الى آخر لا حول لهن ولا قوة.
أين المرأة العربية؟ لم لا تقف وقفتها لتستصرخ ضمائر الرجال؟ ولتطالب بوقف النزيف؟ لإنقاذ الأوطان/ أين نساء لبنان؟ لم لا يتظاهرن ولا يعتصمن؟ ولا يخرجن من المخابئ والملاجئ والجحور ليثرن على اطنان القنابل، وأكوام البنادق والمتفجرات؟ ويرمينها في اليمّ، ويشعلن فيها النار؟ لتحرق البغضاء وتدمر الحقد وتطهر القلوب وتعيد للوطن المنكوب حياته وحيويته وطهارة أرضه، والى أطفاله الحياة الطبيعية والمستقبل الباسم.

الهرم الرابع

نجاة فخري مرسي

شكراً للتلفزيون الاثني الذي عرض لنا فيلماً تسجيلياً عن حياة كوكب الشرق أم كلثوم وأطلق عليه إسم "الهرم الرابع".
وشكراً للمنتج الفرنسي الذي أنتج هذا الفيلم التسجيلي عن معجزة من معجزات الغناء العربي، التي سبقت، كما قال، "بياف" و "ماريا كالاس".
قضينا ساعة مع عرض تحليلي لقصة حياة الطفلة المعجزة التي منحها الله صوتاً له طبقات لا مثيل لها طبقاً للتحليل العلمي للأصوات.
عرض خلالها رحلتها السريعة الى القمة لإصرارها على مستوى كلمات أغانيها فقفزت بالأغنية العربية من المبتذلة الى الأغنية العاطفية الراقية التي يمكن اعتبارها أغنية كلاسيكية.
كما عرض أم كلثوم الإنسانة التي كانت تساعد أهل قريتها الفقراء على تحصيل العلم في مصر والخارج.. وعرّف على أم كلثوم منشدة الأغاني الحماسية التي ألهبت حماس الشعب والجنود في معاركهم المصيرية وأم كلثوم الوطنية التي بكت ومرّت بأزمة نفسية حادّة عندما سمعت أخبار نكسة 1967، وتحولت بعدها لفترة تردد الأغاني الدينية وهي تتألم بسبب إلقاء اللوم على صوتها ووصفه بأفيون الشعب الشعب العربي وأنه كان من أسباب النكسة.
ثم استعادت أم كلثوم عزيمتها وارتفعت راياتها، وبدأ صوتها يجمع الدول العربية مرة أخرى حول قيادة من آمنت به، ومثلت أم كلثوم الرمز العربي الوحيد الذي اجتمعت حوله عواطف الشعوب العربية بأكملها، بعد عبد الناصر الذي قطعت بسببه رحلتها الى موسكو وألغت ارتباطاتها للقيام بواجبها في توديع بطل القومية العربية يوم وفاته.
كنا نود أن نوجه شكرنا الى مصر أو أية دولة عربية لإخراج مثل هذا الفيلم، ولكن حتى أم كلثوم معبودة الجماهير لم تخرج البلاد العربية فيلماً واحداً عن قصة حياتها لتخليدها، على الرغم من شرائهم لمليون ونصف نسخة من أغانيها سنوياً.
لقد تبجح مناحيم بيغن وادعى في أول زيارة للقاهرة قائلاً بأنه في منتهى السعادة بعودته الى مصر ليتمتع بمشاهدة الأهرامات، التي بناها أجداده، وكانت كذبة صهيونية محترفة وبعيدة المرمى.
ويظهر أن الهرم الرابع "أم كلثوم" قد سبقنا في بنائه مخرج فرنسي، فشكراً له، على قيامه بواجب كان على الشعب أن لا يهمله.

الخطأ الفادح

نجاة فخري مرسي

من أهم الأخطاء الاجتماعية الفادحة، أن يسيء الانسان استعمال حريته. ومن الأخطاء الأخلاقية التي لا تغتفر هي أن يعضّ الإنسان اليد التي تطعمه.
إذا كانت ظروف بلادنا وظروف حياتنا قد حكمت أن يغيّر بعضنا وطنه، وأن يحضر ليعيش في بلد تختلف قوانينه عن قوانين بلاده بحسنات ورعاية لم يتعود عليها، فمن البديهي أن يتمتع بهذه الحسنات وأن يقدّر هذه الرعاية ويُظهر امتنانه، ويحافظ على نعمته الجديدة.
في الفترة الأخيرة، هبّت عاصفة إعلامية تتحدث عن حوادث النصب التي كلفت الدولة وشركات التأمين ملايين الدولارات.. بعد أن اكتشفت الجهات المختصة أن بعض العاطلين بالوراثة (من فئات اثنية مختلفة من ضمنها فئة عربية) قد استعملت ذكاءها بطرق ملتوية ومخجلة، واستغلت كرم الدولة الاسترالية ومصادر الرعاية الاجتماعية أسوأ استغلال، وأصبحت تحصل على أكثر معونة اجتماعية في آن واحد (هذا بالإضافة الى عمليات النصب على شركات التأمين).
كنا نتمنى أن تقدّر هذه الفئات – التي حُرمت في بلادها من نعمتي الحرية والرعاية الاجتماعية، أن تقدّر ما تقدّمه لها استراليا، وأن تحترم نعمتها وتحافظ عليها. ولكن على العكس قد عبثت بها وأساءت الى سمعتها وسمعة جاليتها، بل وسمعة بلادها أيضاً.. وأخذت أكثر من حقها على حساب غيرها، دون وازع من ضمير ولا رادع من أخلاق.
وأخيراً وقعت الواقعة وتمّ اكتشاف بعض عمليات النصب هذه من قبل الجهات المسؤولة، وسينال النصابين الجزاء.
وأما الجزاء فهو، أولاً السمعة السيئة ثم إعادة دفع المبالغ المنهوبة على مدى أشهر أو سنين بأثر رجعي (أي من أول دفعة حتى تاريخ اكتشافها) أو السجن.
ونأسف شديد الأسف كجالية محترمة كانت لها سمعتها الطيبة منذ تاريخ الهجرة الى استراليا، أن تعرّضها فئة غشيمة الى مثل هذه المواقف المهينة. وألف رحمة على روح الذي قال: "إن أنت أكرمت الكريم ملكته" وعفى الله عمّا فات، على أمل أن تكون حملة التطهير والتشهير هذه من الدروس المفيدة للمستقبل.